ثقافة وفن عدد الهوية

تعرفوا على الأجانب العرب

بقلم جورجي برادلي

من اليمين لليسار: ماكس ستانتون، ناتاشا بيرغ، أوليفر آلان. العمل الفني للفنان الأغريقي الساكن في عُمان كوستس قرافاكس.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

تُمثّل الإجابة عن سؤال ” من أين أنت؟ ” أمرًا غايةً في التعقيد للمغتربين منذ الطفولة، إذ تضطرهم إلى توضيح خليط الثقافات المتنوع الذي يتمتعون به. ثم يأتي السؤال التالي: ” ما هي البلد التي تشعر أنَّها وطنك الأصلي؟ “، فيجدون أنفسهم مرة أخرى مجبرين على تعريف معنى “الوطن” بالنسبة لهم.

ليس ذلك النوع من المغتربين مجرد رحّالة يتنقلون من بلد إلى آخر كل عامين لأنَّهم يكرهون الاستقرار في مكان واحد فترةً طويلة (وإنَّ كان كثير من المغتربين بمنطقة الخليج يرتحلون فعلاً إلى مكان آخر بعد البقاء لمدة قصيرة في المنطقة)، و لكنهم يمثلون مجموعة من المغتربين ” الباقين مدى الحياة “، الذين قرروا البقاء في المنطقة من أن يمروا عليها مرورًا عابرًا. أنا واحدة من تلك المجموعة،  فأنا مغتربة أحمل الجنسيتين البريطانية واليونانية، ولديّ جذور مزروعة في البحرين، ومقيمة حاليًا في دبي. بطبيعة الحال، كل ذلك لم يفدني كثيرًا في محاولاتي أن أحكم قبضتي على هويتي.

يصوّر المغترب الأمريكي البريطاني ماكس ستانتون أزمة الهوية هذه بقوله: “تائه، أنا تائه! المشكلة هي أنَّي أشعر بالسعادة الغامرة حين أكون في الإمارات، في حين أنَّني كلما سافرت إلى الولايات المتحدة لا أشعر أنَّها وطني الذي أنتمي إليه”. لعل أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في ارتباط ماكس المميز بالمنطقة، الذي يتعدى مجرد حبَّه لأكل الحمص،هو أنَّه قضى فترة شبابه في اليمن، ثم انتقل إلى إمارة الشارقة منذ ١٣ عامًا لدراسة التسويق. ومنذ ذلك الحين، اندمج ماكس بسرعة فائقة مع الثقافة العربية.

جرّبوا مثلاً أن تشغِّلوا الفيديو في الأدنى ، ثم أغمضوا أعينكم وانصتوا له وهو يتكلم بلغة عربية مُشبَّعة بقدرة فائقة على نطق الحروف الحلقية التي تتميز بها اللغة، والتي يصعب على الأجنبي العادي نطقها، مثل حرفيّ ” العين ” و” الحاء “. ستجدون أنفسكم تتخيلونه تلقائيًا شخصًا عربيًا أصيلاً. حتى أنا لم أجد شخصًا مثله قط!

سكة تقابل الأمريكي-البريطاني ماكس ستانتون. الحوار والإخراج: سكة. التصوير: إحسان الحايك.

ماكس هو مؤسس العلامة التجارية ” وان 8 ” للملابس، وأحد مؤسسي مطعم جديد في دبي يُدعى “بيرد هاوس”. يقول ماكس إنَّه اكتسب طلاقته في اللغة العربية “بمجرد الممارسة”، لكنَّ متابعيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي يحرصون دائمًا على تعليمه مهارات اللغة المُتعارف عليها حين يُخطئ مثلاً في تذكير الأسماء وتأنيثها، فيقول ماكس ضاحًكا: ” من أين لي أن أعرف إذا كان الكرسي مذكرًا أم مؤنثًا؟ “

ينطبق الحال نفسه بالضبط على أوليفر آلان، فهو بريطاني الأصل عاش في أبوظبي ثم السعودية، والآن يعيش في سلطنة عُمان. أوليفر أيضًا تنطبق عليه التجربة السابقة بحذافيرها: ما عليكم سوى الدخول إلى صفحته وستُذهلون من طلاقته هو أيضًا. يتقن أوليفر وماكس اللغة العربية تحدثًا وكتابةً وقراءةً، إلا أنَّ أوليفر استغلّ طلاقته الاستثنائية هذه وحصل على وظيفة كمدرس في معهد لتعليم اللغة العربية بمسقط. 

أوليفر آلان في الزي العُماني. الصورة: أوليفر آلان.

ربما يكون التحدث باللغة العربية مجرد ميزة عابرة لأغلب المغتربين، لكنَّه في الواقع يُسعِف أوليفر وماكس حين تخونهما الكلمات في اللغة الإنجليزية. فيتعترف ماكس قائلاً: ” الحقيقة أنَّ لغتي الإنجيزية صارت رديئة للغاية، حتى إنَّني أحيانًا أعرف الكلمة باللغة العربية ولا أستطيع التعبير عنها باللغة الإنجليزية “. لا تزال اللغة الإنجليزية هي اللغة التي يفكّر بها ماكس وأوليفر بصفة أساسية، وإن كان ماكس قد أضاف قائلاً: ” أحيانًا أجد نفسي أحلم باللغة العربية “!

أمَّا ناتاشا بيرغ، فهي  وافدة أمريكية وطالبة دكتوراه تعمل حاليًا على تأليف مذكراتها الجغرافية والنفسية باعتبارها انسانة متعددة الثقافات عاشت أغلب عمرها في المملكة العربية السعودية، في ما عدا سنوات الجامعة، وتُصرّ على أنَّ المملكة وطنها. استطاعت ناتاشا الارتقاء بمستواها في اللغة العربية من الإلمام باللغة العربية إلى تحقِق تقدمًا سريعًا في تعلّم اللهجة الشرقية؛ وهو ما علّقت عليه بقولها: ” تعلّم لغة أهل البلد يجعل المرء يعرف الكثير عنهم “.

ناتاشا بيرغ تعتبر السعودية وطنها. الصورة: ناتاشا بيرغ.

 يعلم المغتربون يقينًا أنَّه يجب عليهم على الأقل أن يحاولوا تعلّم اللغة العربية، لكن ما يُغيظ هو أنَّه لا توجد عصا سحرية تجعل تعلّم اللغة العربية أمرًا سهلاً ومباشرًا. حتى أنَّا، مع الأسف، ما أعرفه في اللغة العربية لا يسعفني سوى في شراء الخبز من الخبّاز في مدينة المحرق بالبحرين.

لعل السر إذن ليس امتلاك موهبة تعلّم اللغات، بل قدر من الولاء والتفاني ” لكوني ضيف شرف في الخليج، وأيضًا الرغبة في استقاء لذة المنطقة من كل مصادرها” على حد قول ماكس، الذي أضاف قائلاً: “لقد زرت أماكن أكثر من ٩٩ بالمائة من أهل المنطقة “. ماكس مفتون بشكل خاص بالعادات والأعراف القبلية التي لا تزال تتخلل الثقافة العربية المعاصرة، إلى حد أنَّه يحلم بامتلاك منزل في البادية، فقد قال: ” أشعر بأنَّني مرّحب بي للغاية هنا. هنا أكثر أمانًا من أي مكان آخر بالتأكيد “.

ناتاشا بيرغ تتحدث عن مسيرتها في تعلم اللغة العربية و تشارك خلفيتها. الفيديو: ناتاشا بيرغ.

 أمَّا ناتاشا، فيعود تاريخ أسرتها في السعودية إلى خميسينات القرن الماضي. قالت ناتاشا: ” كان جدي شغوفًا بالتصوير، لذا فإنَّ ألبومات صورنا العائلية مليئة بصوره  في سوق التمر القديم في مدينة الهفوف ، وقصر المصمك،  وزياراته مع البدو في واحات الصحراء وفي قرى الصيد”.

كلنا أحسسنا بحفاوة السكان المحليين ودفء استقبالهم لنا، والسعادة التي تغمرنا بعد لقاءنا بهم . يقول أوليفر إنَّ السكان المحليين يعتبرونه “واحدًا منهم”؛ فسواءً كنت تتحدث العربية أم لا، لن يشكّل ذلك عائقًا أمام هذاالتواصل الإنساني. أنا أيضًا أشهد على ذلك.

حكى ماكس أنَّه اختبر ذلك الشعور في السعودية، حين كان واقفًا بجانب المطار بانتظار سائق أجرة يُقلّه: ” فإذا برجل يقترب مني ويسألني أين سلالم الدخول إلى المبنى. قلت له إنَّني لا أعرف لأنَّني وافد جديد، فسار مبتعدًا، ثم عاد بعد برهة وسألني إذا كنت قد أعطيت رقمي للسائق الذي أنتظره، فأجبته بـ” نعم “، فكان رده: ” حسنًا، تعال تناول الغذاء عندي في المنزل أولاً، ويمكن للسائق أن يقلّك من هناك “. ها أنا ذا، مجرد شخص غريب يقف على رصيف المطار! مستحيل أن يحدث هذا في أي مكان آخر، لكنَّ هذا هو كرم الضيافة المُتعارف عليه في المنطقة بأكملها. وحتى الآن، لم أكتشف بعد جميع المرادفات التي تعبّر عن الترحيب في اللغة العربية لكثرتها! “

صور قديمة من ألبوم عائلة بيرغ الامريكية. انقر على الصور لتراها بحجم أكبر. الصورة الأولى من اليمين: صورة عائلية التقطت في الستينات. الصورة الثانية من اليمين : جدة ناتاشا بيرغ تتسوق في السعودية في الستينات. الصورة على اليسار: والد ناتاشا بيرغ يلعب “غولف الرمل” في السعودية في الخمسينات. الصور: ناتاشا بيرغ.

في حين تشعر ناتاشا بأنَّ من واجبنا ” بصفتنا متعددي الثقافات أن نكون جسرًا يربط بين الثقافتين: ” حين أكون في السعودية، أحب الرد على أسئلة الناس عن أمريكا. وحين أكون في أمريكا، أحب الرد على أسئلة الناس عن السعودية. ويهمني كثيرًا أن يعلم هذان الجانبان من قلبي كم هما متشابهان ومرتبطان “.

أمَّا أوليفر، فهو متزوج الآن من عُمانية، وينوي تأسيس عائلة تجمع بين الثقافتين، مع أنَّ مجموعات أصدقائه هو وماكس حافلة بالسكان المحليين وغيرهم من مواطنيّ الخليج العربي. وبالمناسبة، كلاهما لا يشبهان عائلاتهما في شيء، فلا أحد  يتحدث العربية مثلهما، وهو ما علّق ماكس عليه مازحًا: ” كثيرًا ما يتساءل والداي عن الخطأ الذي ارتكباه كي أصبح هكذا “.

ولكن، هل ساعد هذا الاندماج المكثّف في تشكيل هويتنا، أم أنَّه زاد من تعقيدها؟ لو كانت هناك حقيقة فجّة اكتسبناها من العيش في هذا الجزء من العالم، فهي أنَّنا مهما انغمسنا في الثقافة، سوف تُحدد المنطقة هويتنا بما نحن لسنا عليه: نحن لسنا عربًا، حتى وإن ارتدى ماكس وأوليفر الكندورة والدشداشة أحيانًا. من الناحية الأخرى، نحن أيضًا لا نشعر أنَّنا ننتمى للدول التي أصدرت لنا جوازات سفرنا.

جميعنا تعرضنا إلى صدمة ثقافية عكسية. بالنسبة لي، خلفّت الحاجة إلى الاندماج في مجتمع المملكة المتحدة شعورًا بالذنب الشديد لديّ بعد صدمة الجميع لأنَّني ” لا أبدو إنجليزيًة إطلاقًا ” على حد تعبيرهم. ولم تساعدني لهجتي التي تشوبها الشوائب. كل ما فعلته هو أنَّني عدت إلى العوالم المتعددة، أو ” الفجوة الفاصلة ” كما تسميها ناتاشا، التي تمثّلها المنطقة. صحيح أنَّها قد لا تُمثّل ” هويتنا كاملةً “، لكنَّ مجموع أجزائها المتنوعة يملأ أرواحنا.

وعندما لا نجد هويتنا بأنفسنا، نجدها في بعضنا، فبعد أن ظللت دقيقتين كاملتين أحكي لأوليفر عن أصولي المعقدة والمتشابكة خلال مكالمتنا، وجدته يبتسم ويقول لي: ” آه! أنت واحدة منَّا إذن! “. لقد استقينا الود وكرم الضيافة من نظرائنا الخليجيين، واستوعبناهما،  وقدّمناهما بدورنا إلى رفاقنا ” الباقين مدى الحياة ” في ظل حالة مشتركة من الحيرة والدفء.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها.