ثقافة وفن عدد الهوية

بحرينية تعشق الأماكن المهجورة

بالصور: فندق البريستول المهجور في البحرين.

بقلم جيهان الخطيب

الغرفة الأولى التي تراها عند دخولك لممر الغرف في فندق البريستول المهجور .الصورة: جيهان الخطيب.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.


تخبرني والدتي بأن علاقتي بالأماكن المهجورة ليست صحية، وأنه سينتهي بي المطاف بجرح عميق في رأسي، أو أن يهاجمني أحد المتعاطين. فتلك الأماكن بنظر والدتي، أصدقائي، والآخرين هي إما مرتعٌ للمخدرات والمسكرات أو لممارسة المحرمات، أما بالنسبة لي فهي مشاريع فنية تُركت ليكملها أحدهم، وأماكن تحمل قصصًا لم تُروى بعد.

مطبخ الفندق ومحاولات التذكر. الصورة: جيهان الخطيب.

بدأت رحلتي في التسكع حول المباني المهجورة في عام ٢٠١٦، عندما قررت أنا وصديقتي أن نتخطى حاجز الخوف ونزور ثلاثة مبانٍ، أولهم مبنى في الجفير، وجدنا فيه مستنداتٍ تعود لخمسينات القرن الماضي عن أشخاصٍ دخلوا البحرين، جنسياتهم، معلوماتٍ عنهم، والعديد من الوثائق عن منظمات دولية مكدسة في حمام المبنى!

لسنا الوحيدين هنا، المجروحين كُثر. الصورة: جيهان الخطيب.

المبنى الثاني كان بناية الكويتي الواقعة في العاصمة المنامة، المبنى المهجور الأسطوري الذي يعرفه جميع البحرينيين، لكن ما لا يعرفه البعض أنه وفي عام ٢٠٠٦، تسلم ملاك العمارة إخطاراً من محكمة الأمور المستعجلة بهدم المبنى ببرجيه التجاري والسكني لأنهما آيلان للسقوط، أما في عام ٢٠٠٩ رفع ملاك البناية دعوى ضد بلدية المنامة يطالبونها بدفع مبلغ مليوني دينار تعويضا عما أصابهم من خسارة.

معدات مكتبية، بطاقات، والعديد من الأشياء تُركت، حتى الأرقام لم تعد في الخدمة. الصورة: جيهان الخطيب.

لتستمر الحكاية حتى عام ٢٠١٥، لتقضي المحكمة الكبرى المدنية الأولى بإلغاء قرار بلدية المنامة بالامتناع عن منح ملاك البناية التراخيص للترميمات، ليلتهم حريقٌ جزء من المبنى في عام ٢٠١٧. تلك البناية التي يؤمن الكثير من سكان المنطقة بأنها مسكونة، بينما يتجنبها البعض خوفًا من وقوعها عليهم.

وفي أبريل ٢٠١٩، وبعد نزاعٍ طويل في أروقة المحاكم، قضت المحكمة بإلزام ملاك بناية الكويتي بهدمها، ليسدل الستار على هذه الأزمة التي استمرت لفترة طويلة جدًا.

كان مطعم «ويلو» للمشويات الإنجليزية مكانًا لتجمع الجاليات. الصورة: جيهان الخطيب.

استمرت رحلتنا حتى وصلنا لفندق البريستول، الذي كان الأكثر قربًا لقلبي، بسبب القصص التي كتبت حوله، الذكريات التي ارتُبطت به، ولأن كل ما تجده هناك يمكن أن يخبرك بأيام صاخبة كانت تعيشها المنامة في حقبة الثمانينات.

محاولات لإصلاحات مجتمعية تجدها في فندق مهجور. الصورة: جيهان الخطيب.

البريطاني بيرت ماب، الذي عاش في البحرين في خمسينات القرن الماضي، وكان يحرر نشرة كانت تصدرها «بابكو» باسم «بحرين آيلاندر»، كتب عن البريستول في مذكراته، فعند عودته في التسعينات في زيارة للبحرين، قطن في البريستول ووصف مبيته ”بالكارثي“: ”الضجيج القادم من الديسكو حرمني من النوم، والمشاجرات في الشارع بين سائق التاكسي وبعض الزبائن السكارى وكذلك اصطفاف أبواب غرف الزبائن، وهم في طريق عودتهم إلى غرفهم في وقت متأخر في الليل.“

عُلِقت نُسخ هذه الخريطة على أغلب أبواب الغرف. الصورة: جيهان الخطيب.

ليذكرنا د. عبدالله المدني في مقاله ”منام ٢٤ ساعة بروبية“ في جريدة الأيام أن البريستول كان وحتى التسعينات ”مكانا رائعا لتجمع أفراد الجاليات الغربية لاحتوائه على مرافق ذائعة الصيت كمطعم «ويلو» للمشويات الإنجليزية“.

الغرفة المحترقة التي تطل على مقبرة المنامة. الصورة: جيهان الخطيب.

تابعتُ رحلتي للبحث عن قصص البريستول حتى استطعت الوصول للكاتب البريطاني مايك كيلي، الذي عمل كمدير للتدريب في حقول النفط في الشرق الأوسط وإفريقيا وكتب عن رحلته حول البحرين، بالإضافة لليبيا، اليمن والسودان.

زرت البريستول يومين متتاليين، وفي كل مرة وجدت هذه الكرة في مكان مختلف، تنتقل من غرفة إلى أخرى. الصورة: جيهان الخطيب.

أخبرني مايك أنه ذهب ” للبريستول ” في غضون أيام من وصوله إلى البحرين، فقد نصحه أحد الأصدقاء بالذهاب إلى حانة ” ذا لوندونر “، لكونها مكانًا لتجمع الجالية البريطانية إلى جانب عدٍد من الكنديين، وخلال حرب الخليج، كان مايك يقضي وقتًا طويلًا هناك.

أغنية ” غلطان بالنمرة ” لصباح تبدو وكأنها عنوانٌ لهذه الصورة. الصورة: جيهان الخطيب.

” لقد كان التوتر سائدًا، وكان الجميع يتكلمون عن حرب عالمية ثالثة، وهجمات كيميائية. لذلك كان ” ذا لوندونر ” مكاناً للاستمتاع والاسترخاء.” كما أن ذا بريستول كان جزءًا كبيرًا من ذكرياته، فهو المكان الذي أخد زوجته إليه فور وصلها إلى البحرين في حفلة ترحيبية.

كسرت هذه المرآة بعد عدة زيارات، لأن أحدهم كتب عليها كلمات نابية .الصورة: جيهان الخطيب.

استمرت رحلاتي إلى البريستول أكثر من أي مكان آخر، فقد كنت أمارس دور المحقق الذي يبحث عن قصة هذا المكان المهمل، المصور الذي يدخل إلى المبنى من النافذة المخصصة للمكيف طمعًا في صورة، والمرشد السياحي الذي يصطحب أصدقاءه ليخبرهم عن قصص هذا المكان، وكيف أنهم الآن يتسكعون في مبنى كان الأكثر شهرة في إحدى الحقبات التاريخية.

نادي ومطعم تيبانن الذي كان مفعمًا بالموسيقى الغربية مع أشهر الفرق الغنائية الفلبينية. الصورة: جيهان الخطيب.

البريستول جعلني أشعر بأن الأماكن المهجورة ليست مخيفة وسريالية فحسب، بل هي تثير الأسئلة، ولا تطرح إجاباتٍ إلا مع كثيرٍ من البحث، والغبار، والأتربة. لماذا لا يزال الأثاث هناك؟ من خرج وغادر كل شيء؟ أليس من المفترض أن يباع هذا المبنى؟ أن يهدم؟ من ينام هنا؟ هل هنالك أحدٌ هنا غيري الآن؟

أحدهم (أو حيوان ما) نتف حمامة في هذه الحجرة وترك الريش في كل مكان .الصورة: جيهان الخطيب.

كل هذه أسئلة ما زلت أحاول البحث عنها، لكن كل الأرقام التي حصلت عليها في البريستول لم تعد في الخدمة، سميرة من المغرب، أبو جميل، أبو راكان، وأبو يوسف جميعهم غيروا أرقامهم، حصلت على عنوان شخصٍ ما، لكنني ما زلت مترددة في الذهاب إليه.

غريبٌ هو الأمر، نذهب لنزور الأشباح لكننا نخشى زيارة الأحياء.

ربما يومًا ما.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

جيهان الخطيب طالبة إعلام: إذاعة وتلفزيون في جامعة البحرين، وتعمل في مجال البيئة والتنمية المستدامة. تقوم جيهان أيضًا بالتسكع في الأماكن المهجورة والمهملة بحثًا عن قصص تستحق أن تُروى، وتهدف لتوثيق هذه الأماكن بالوسائط المتعدد.