ثقافة وفن عدد الهوية

البدو الجدد والبحث عن الوطن

بقلم ريم تينا غزال

عمر توم ، مؤسس برنامج ” دكان شو ” ، يعد نفسه من البدو الجدد. الصورة: وليد شاه.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

في يوم الثلاثين من أبريل عام ١٩٩٨، تُوفي شاعر الحب نزار قبّاني في العاصمة البريطانية لندن.

وُلد نزار قباني في سوريا، واشتهر بأشعاره الرومانسية الخالدة المفعمة بالمشاعر والأحاسيس وحب الوطن والنسوية؛ فلُقّب بـ”شاعر المرأة”. ولكنَّ بعد حياة من السفر والترحال خارج البلاد بصفته دبلوماسيًا وفنانًا وشاعرًا وكاتبًا، كل ما طلبه في وصيته هو أن يعود إلى “الوطن”. 

بالنسبة له، كان الوطن والمرقد الأخير هو العاصمة السورية دمشق، التي قال عنها: “دمشق هي الرحم الذي علمني الشعر وعلمني الإبداع وأهداني أبجدية الياسمين”. 

الوطن مسألة تشغل تفكيرنا جميعًا، بغض النظر عن مكان وجودنا الحالي أو المرحلة التي نمرّ بها من حياتنا. 

لكن نظرًا لكثرة من يغادرون مسقط رأسهم، ويعيشون طفولتهم في عدة مدن أو بلدان مختلفة، ثم يواصلون أسفارهم كراشدين في عالمنا اليوم، بات التساؤل عن “الوطن” ومكانه مسألة معقدة في أغلب الأحيان. أضف إلى ذلك من لديهم أبوان من جنسيات وثقافات بل وعقائد مختلفة، فتصير المسألة أكثر تعقيدًا. 

بحث عن الوطن

بصفتي باحثة في علم النفس، درست مفهوم ” الوطن “، ووثّقت عوامل مثل المكان الذي يرغب الناس في ” التقاعد فيه ” مقارنةً بالمكان الذي يرغبون بأن ” يُدفنون فيه “. وحتى الآن، معظم المغتربين المقيمين في الإمارات العربية المتحدة الذين سألتهم، وعددهم جميعًا ١٥٠ مغترب، يرغبون بالتقاعد في أي مكان ” غير مكلّف ” و” صحي ” وتكثر فيه الطبيعة والمجتمعات النابضة بالحياة. المثير للاهتمام أنَّ المكان الذي وقع عليه الاختيار ليكون مرقدهم الأخير كان في أغلب الأحيان إمَّا مسقط رأسهم أو المكان الذي قضوا فيه فترة مهمة من صباهم. بينما جاءت إجابة معظم المواطنين الإماراتيين الذين سألتهم أبسط كثيرًا؛ فالوطن بالنسبة لهم هو الإمارات العربية المتحدة، فيه سيتقاعدون وفيه سوف يُدفنون.

غير أنَّ الدراسة لا تزال في مراحلها الأولية، وهي جزء من مجموعة أكبر من الدراسات التي بدأت تكتسب زخمًا في الآونة الأخيرة. لقد بات عدد الدورات التدريبية والأبحاث التي تتناول ” سيكولوجية المكان ” وكيف يمكن للأمكنة أن تؤثّر في سلوكيات المرء وفي صورته عن نفسه وعن الآخرين وفي مشاعره وتصرفاته وصحته النفسية والعقلية أكثر بكثير الآن. ولهذا لا يجب أن نستهين بأهمية المكان، فهو قادر على توليد التسامح والتعصّب والإبداع والإيثار وكثير من سمات الشخصية الأخرى. 

بدو جدد يبحثون عن عشيرتهم

من اليمين إلى اليسار: عمر توم ، ريم حميد ، ومحمد عكاوي. الصورة: عمر ترتوب.

معظمنا كان مغتربًا في مرحلة ما، لكنَّ بعض الناس يقضون أغلب عمرهم مغتربين لأنَّهم يشعرون براحة أكبر في أماكن ليست مسقط رأسهم. على سبيل المثال: بعض العائلات تقيم في مدن دول الخليج منذ عدة أجيال، في الغالب لأنَّ رب الأسرة انتقل للعمل هناك في ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي وبقى فيها منذ ذلك الحين، فصار أبناء تلك العائلات وأحفادهم يعتبرون هذا الجزء من المنطقة وطنهم. 

لكنَّ من وجهة نظر عُمر توم، مؤسس برنامج  ” دكّان شو “: “الخليج ليس بوتقة انصهار في الواقع، بل هو فُسيفساء جميلة، فهويتك وثقافتك هي مجرد قطعة تسهم في عمل فني أكبر “. 

برنامج ” دكّان شو ”  هو منصة متعددة الوسائط  تستكشف تلك الموضوعات؛ حيث يعرض مُقدّمو البرنامج رأيهم الشخصي حول المفاهيم الإنسانية والاجتماعية والنفسية. البرنامج يروّج لنفسه على أنَّه ” صوت البدو الجدد ووطن الغير “. 

علّق عُمر توم على ذلك قائلاً: ” مصطلح ” البدو الجدد ” يُعبّر عن رأينا في أنفسنا كأطفال الثقافة الثالثة أو الجالية: نحن ” بدو ” لأنَّنا بدو بطبيعتنا و” جُدد ” لأنَّها فكرة جديدة، كموسيقى السول الجديدة. لذا نعم، بالتأكيد أشعر أنَّ هذا ينطبق عليّ”. 

وتابع عُمر، الذي وُلد في السودان ويعيش منذ الطفولة في الإمارات العربية المتحدة: ” لقد استوعبت الكثير من الثقافات المختلفة وممارساتها (بخلاف ثقافتي) بفضل طبيعة تلك البيئة المحيطة، إلى جانب أنَّني قضيت جزءًا كبيرًا من طفولتي أجوب العالم بسبب طبيعة عمل والدي “. 

ما يجعل بدو العصر الحديث مفهومًا مثيرًا للاهتمام هو أنَّه يشير ضمنيًا إلى عدم الارتباط بمكان معين، كقبائل البدو التقليديين الذين كانوا يجوبون شبه الجزيرة العربية بحثًا عن مراعي أكثر خضرةً وفرص حياة أفضل، إلا أنَّهم كانوا في أحيان كثيرة يعودون إلى الأماكن التي استقرّوا فيها من قبل بسبب ارتباط خاص تشكّل هناك. كانت الحدود مختلفة آنذاك، وكانوا يميزونها بالآبار والأراضي المملوكة لقبائل معينة، وبالتالي كان من السهل البحث عن فرد من عشيرة معينة، حتى  ولو كان ” بدويًا “. بعبارة أخرى، الإنسان بطبيعته لا يمكن أن يكون بدويًا تمامًا. وكما يتضح جليًا في حالة أغلب المغتربين في منطقة الخليج، حتى ” الإقامة المؤقتة ” بتأشيرة محدودة لها تأثير قوي. 

قال عُمر: ” أنا أؤمن أنَّ الهوية هي بنية اجتماعية تسمح لنا بالتواصل مع الآخر وفهمه، لأنَّها تتعلق بالتوصّل إلى أرضية مشتركة بين صورة الآخرين عن المرء وصورته الفعلية عن نفسه،  سواءً في حالة الفرد أم المجموعة (أي الهوية الفردية والهوية الجماعية). وسواءً جاءت الهوية في صالح المرء أم ضده، فهي الجسر الرابط الذي إمَّا يقرّب الناس من بعضهم ويجمع بينهم أم يفّرق ويباعد بينهم “. 

سُميّ البرنامج ” الدكّان ” لأنَّها تحمل المعنى نفسه (” المتجر “) باللغات العربية والتركية والفارسية والهندية والأوردو.

قال عُمر شارحًا: ” الدكَّان هو حجر الأساس لكل مجتمع يعمل بداخله؛ وهو منشأ وسائل الإعلام والمجتمع. صاحب الدكَّان كان يعرف أهل الحيّ كلهم، وكان يعرف من مرِض ومن تزوّج ومن رُزق بطفل إلخ… وكان يعتني بالجميع، وبأطفالهم أيضًا. وفي بعض الثقافات، كان صاحب الدكّان يدوّن أخبار اليوم على قصاصة من الورق المقوّى ويُعلّقها خارج دكّانه كي يطّلع عليها المارة “. 

لكن في ظل كثرّة من يُعرّفون أنفسهم بأنَّهم من ” أطفال الثقافة الثالثة ” (من قضوا سنوات نشأتهم في ثقافة خارجة عن ثقافة والديهم أو ثقافة وطنهم)، ثمة عدة نقاط لا بد من وضعها في الحسبان. 

قال عُمر: ” مميزات أطفال الثقافة الثالثة هي أنَّهم يتمتعون بعقلية منفتحة، وبقدرة على التعاطف مع الآخرين والارتباط مع أي أحد بغض النظر عن ثقافته، وعلى فهم الناس على نحو قد لا يستطيعون هم فهمه به. أمَّا العيوب، فهي الشعور بالوحدة إلى أن يجدون عشريتهم “. 

عُمر وجد عشيرته أخيرًا؛ إنَّهما مقدّما البرنامج ريم حميد ومحمد عكاوي. ريم فلبينية-عراقية نشأت في كندا وانتقلت بعد ذلك إلى الإمارات العربية المتحدة، ومحمد لبناني الأصل نشأ في الإمارات العربية المتحدة وعاش فيها طوال حياته. 

في النهاية، يبدو أنَّ ما يبحث عنه كل شخص هو شكل من أشكال الانتماء. 

هل تؤثر علينا الأماكن؟

اسمحوا لي أن أشارككم قصة لاجئ عراقي هاجر إلى كندا أتواصل معه منذ فترة يُدعى ” أحمد “. لقد شاهدت بنفسي كيف تحوّل أحمد من إنسان غاضب كاره ” للقوى الغربية ” كثير التورط في مشاكل العصابات في بغداد، إلى شخص إيجابي شاكر يشعر بالثقة بالنفس بفضل المنزل الجديد الذي أسسه في كندا. أحمد الآن صار رجل إطفاء؛ لأنَّه أراد أن يردّ الجميل لمّا وصفه لي بأنَّه ” الكثير من الدعم والإيجابية من الكنديين “. 

وتابع شارحًا: ” هم لم يحكموا عليّ، وبالتالي استطعت أن أصبح ما أردت أن أكونه “. 

هل غيّر المكان أحمد؟ أم إنَّه فقط أبرز جانبًا من شخصيته ظل مدفونًا طوال الفترة التي عاشها في بلد مشحون يرزح تحت وطأة الاضطرابات والحروب والعقوبات المفروضة عليه؟ لقد كان الأمر وكأنه كانت هناك عقوبة مفروضة على شخصيته (أو” روحه “ كما قال) أُزيحت بمجرد انتقاله إلى كندا!

لا شك أنَّ المكان (ومن فيه) يحمل الكثير من الدلالات الرمزية والتوقعات ويخلق صورًا من الارتباط، بعضها صحيّ وبعضها غير صحي، ويجعلنا ما نحن عليه (ربما إلى حين).  

نحن جميعًا لدينا شخصيات مختلفة: جانب اجتماعي وآخر خاص وجانب ثالث عائلي، وغيرها كثير. البعض يسمونها أقنعة؛ نرتديها ونخلعها حسب المكان، وأحيانًا حسب الشخص الذي معنا. 

أترككم مع هذه الأسئلة التأملية في الذات: أي مكان أبرز أفضل ما فيكم؟ وأيها أبرز أسوأ ما فيكم؟ وأخيرًا، ما هو الوطن بالنسبة لكم؟ 

للتعرفي على ” الدكان شو ” انقر هنا.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ريم غزال صحفية ومؤلفة ترعرعت في السعودية وتقطن في دبي.