ناس عدد الهوية

” الثقافة الثالثة ” : من تجربة شخصية إلى دار للأزياء

بقلم شريفة البادي

ابنة الثقافة الثالثة شيماء شمسي . الصورة: إسحاق مدن.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.


أطفال الثقافة الثالثة هم الأشخاص الذين قضوا سنوات عمرهم الأولى في بلد غير وطن والديهم، والكثير منهم نشأوا وهم يشعرون بحالة من التيه والضياع؛ لا يعرفون إلى أين ينتمون بالضبط. إذا كنتم من أطفال الثقافة الثالثة وكنتم تشعرون أنَّكم لا تنتمون إلى أي مكان، فلا تنتظروا طويلاً؛ تعالوا وألقوا نظرة على دار أزياء ” الثقافة الثالثة ” (Third Culture Co) لمؤسستها شيماء شمسي، التي تفتخر بحريتها في عدم الإنتماء إلى أي مكان. 

دار أزياء ” الثقافة الثالثة ” (Third Culture Co) هي علامة تجارية عالمية مقرها في البحرين حاليًا تُقدّم أزياءً تعمل على إقصاء الحدود الفاصلة وإبراز القضايا الإجتماعية، والثقافية، والبيئية. 

تقول شيماء شمسي: ” الملابس في حد ذاتها حوار: نحن نرتديها على أجسامنا، وبالتالي هي أول ما يلاحظه الناس عنا، وهي تُعبّر كثيرًا عن شخصية المرء والمظهر الذي يريد أن يظهر به أمام الناس. فضلاً عن أنّ ارتداء الملابس اللافتة للنظر يشجّع الناس على الاقتراب من مرتديها [ومجاذبته أطراف الحديث] “. 

من الصعب تخيّل أنَّ صاحبة العلامة التجارية ذات التصاميم الفريدة وقاعدة العملاء الآخذة في التزايد هي شابة في الثامنة والعشرين من عمرها لم تتصور في البداية أن تدخل يومًا إلى عالم الأزياء. أمضت شيماء المراحل التكوينية من عمرها في المملكة العربية السعودية، ثم انتقلت للعيش في المملكة المتحدة وهناك درست التجارة والأعمال. وخلال فترة دراستها، أتتها لأول مرة فكرة تأسيس علامتها التجارية للملابس المفاهيمية . 

تقول شيماء موضحة: ” أردت أن أبتكر قالباً ملموسًا لفن السرد القصصي، وأن أمنح أفكاري معنىً وغايةً وقيمةً. البعض يُعبّر عن نفسه برسم اللوحات الفنية، بينما يختار آخرون فن الكتابة. أمَّا أنا، فأستخدم المفاهيم كوسيلة للتعبير عن نفسي “. 

تكونت مجموعة ” حوار ” أو Dialogue من قمصانًا عليها كلمة ” أجنبي ”  .

اختارت شيماء اسم ” الثقافة الثالثة ” لعلامتها التجارية لأنَّها من أبناء الثقافة الثالثة، ولأنَّ الرقم ” ثلاثة ” كان له دور بارز في حياتها، فأسرتها مكونة من ثلاث شقيقات، وهي تُقرن نفسها بثلاث بلدان (المملكة العربية السعودية، والهند، وإنجلترا) وتجيد الحديث بثلاث لغات. 

لم تكن العوالم العديدة التي نشأت فيها شيماء ممتزجة ببعضها آنذاك كما هو الحال الآن. مع أنَّ شيماء وُلدت ونشأت في جدة، لم تكن إجادتها للغة العربية تتجاوز حدود قراءة القرآن. ومثل كثير من الأجانب المقيمين في المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، بل وحتى في الوقت الراهن، كانت شيماء تعيش داخل مجمع سكني منعزل يتألف من جنسيات متعددة، وبالتالي كانت تفاعلاتها مع السكان المحليين محدودة للغاية؛ فهي كانت ترتاد مدارس دولية، في حين لم يكن مسموحًا للمواطنين السعوديين عمومًا بارتيادها آنذاك. 

وفي حين أنَّ شيماء هندية الأصل ، إلا أنَّها لم تسافر إلى الهند كثيرًا ولم تكن تتحدث اللغة بالفصاحة الكافية. تحكي لي شيماء قائلةً: ” كان الأطفال يسخرون منَّي لأنَّني لم أكن أتحدث اللغة الأردية بالوضوح الكافي، وبالتالي كنت تلقائيًا منفصلة عن الهوية المفترضة لي “. 

لعل أكثر بلد ترتبط بها شيماء هي إنجلترا، فهي تجيد التحدث باللغة الانجليزية، ومطّلعة على تاريخ البلاد، وكانت تزورها كثيرًا في صباها. تقول شيماء: ” عندما كبرت، صار من المتوقع أن أحصر نفسي في حدود مكان معين. وبما أنَّني زرت إنجلترا كثيرًا في صباي وأحببتها كثيرًا، اخترت إنجلترا بدافع الحب. كان الأمر بهذه البساطة بالنسبة لي “. 

تقيم شيماء في البحرين الآن. لكن مع كل مكان وبلد زارته شيماء، كانت تنتابها مجموعة من الأحاسيس والتجارب الشعورية، ومعها كبرت علامتها التجارية إلى أن أصبحت ما هي عليه اليوم. تقول شيماء: ” بمرور الوقت، وصلت إلى مكان أتحمس بشأنه. كان هذا المكان هو دار أزياء ” الثقافة الثالثة “؛ حيث قادتني تجاربي الغامرة إلى ابتكار مفاهيم جديدة لفن يمكن ارتداؤه في حوار اجتماعي”. 

صُممت مجموعة ” تجديد ” أو Regenerate لرفع الوعي حول الحفاظ على المياه في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. الصور: إسحاق مدن.

ظهر مصطلح ” synchronicity ” أو ” التزامن” لأول مرة على يد العالم والمحلل النفسي السويسري كارل يونغ، الذي كان يعتقد أنَّ الأحداث التي نمر بها في حياتنا ليست سوى مصادفات ذات مغزى تستند إلى وعينا بالتجربة الإنسانية. لقد استخدمت شيماء أسلوبًا مشابهًا في وصف نشأة دار أزياء” الثقافة الثالثة ” برمتها وجميع المتعاونين معها؛ إذ وصفتها بأنَّها مجموعة من الأفراد الذين لديهم قصد معين، ويريدون ابتكار شيء له مغزى يدفع الناس إلى أن يكونوا أكثر وعيًا بقضايا اجتماعية وبيئية معينة. تقول شيماء موضحةً: ” جميع المتعاونين معي كان لديهم شيئا يضيفونه؛ نحن لا نصمم أزيائنا حسب المواسم، بل بحركات جريئة “. 

أطلقت دار أزياء ” الثقافة الثالثة ” أول مجموعة أزياء لها بعنوان ” هيرايث ” أو Hiraeth في فبراير 2017.  استوحت المجموعة تصميماتها من الثقافة والطراز المعماري المزخرف لإمبراطورية المهراجا في الهند، وتضمنت أعمال يدوية لحرفيين محليين مكوّنة من تفاصيل جميلة مُحاكة من الترتر، والخرز، والخيط الذهبي. “هيرايث”هو مفهوم في اللغة الويلزية يعني ” الحنين ” أو ” الاشتياق إلى مكان “، وهو الإحساس الذي يشعر به أبناء الثقافة الثالثة الذين يواصل العديدون منهم البحث عن ” الوطن ” . يرمز استخدام الترتر في التصاميم إلى الناس، ويرمز الخرز إلى الثقافات المختلفة، في حين يرمز الخيط المصنوع من الذهب الخالص إلى ما يربط بينهم جميعًا، وهو ما تعلِّق عليه شيماء بقولها: ” كانت فكرتي من وراء المجموعة هو أنَّني رأيت العالم كله واحدًا لكنَّه يريد الانفصال عن بعضه في الوقت نفسه؛ ليصير كقطع أحجية مبعثرة في كل مكان ” . 

قطع من المجموعة الأولى لشركة الثقافة الثالثة ” هيرايث ” أو Hiraeth. الصورة: هانا هنت.

من أوائل المجموعات التي أطلقتها أيضًا مجموعة أخرى باسم ” حوار ” (Dialogue) تتكون من قمصان مكتوب عليها كلمة ” أجنبي”، وهو المصطلح الذي يستخدمه الكثير لوصف الغرباء. في بعض الأحيان، يعتبر البعض ذلك استخفافًا صريحًا بالثقافة، لكنَّ شيماء تراه مجرد تعبير عن شعور من هم بلا جذور.  

تقول شيماء شارحة: ” أنا ابتكر المفاهيم، واستخدم الأزياء كوسيلة للتعبير عنها. أي قطعة من مجموعتنا يمكن أن تحكي قصة تثير حوار هادف “. 

تضم مجموعة “تجديد ٢” أو ّRegenerate II حقيبة للجنسين ، والتي تم تصميمها بالتعاون مع البحرينية روان ماكي. الصور: إسحاق مدن.

أطلقت دار أزياء ” الثقافة الثالثة ” مجموعاتها الأخيرة، وهي النسخة الثانية من مجموعة ” تجديد ” أو Regenerate، في البحرين في مطلع الشهر الجاري. تهدف المجموعة الجديدة إلى فتح باب الحوار ورفع الوعي بقضية بيئية أكثر، وهي استخدام البلاستيك لمرة واحدة في دول مجلس التعاون الخليجي. تتكون المجموعة من حقيبة للجنسين مصممة بالتعاون مع المهندسة البيئية ومصممة الأزياء البحرينية روان مكي، ومصنوعة من مواد منتجة عضويًا مع نسيج بحريني منسوج يدويًا. صُممت الحقيبة لحمل أدوات المائدة أثناء التنقل لتجنب استخدام أدوات المائدة البلاستيكية، لكنَّها في الوقت نفسه لا تزال مجارية للموضة.

ليست هذه أول مرة تُخصص فيها شيماء مجموعة أزياء للتوعية بقضية بيئية، فقد سبق أن تناولت النسخة الأولى من مجموعة ” تجديد ” قضية استخدام المياه في دول مجلس التعاون الخليجي وأهمية المحافظة على المياه.

أمَّا عن المكان الذي تنتمي إليه شيماء، فهي لا تشعر بالوطنية تجاه أي بلد، بل تشعر بالسعادة والحزن لكل البلاد على حد السواء، وليس للبلدان الثلاث المألوفة لها فحسب. كما أنَّ قلبها ينفطر ألمًا على البشرية بأسرها، بغض النظر عن العرق أو المكان. تبرر شيماء ذلك بقولها: ” كوني بلا جذور زاد من ارتباطي الإنساني بهذا العالم أكثر من أي وصف آخر؛ وأنَّنا ممتنة للغاية لذلك “. 

انقر هنا لمعرفة المزيد عن دار أزياء ” الثقافة الثالثة ” .

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.


شريفة البادي كاتبة و مؤلفة من أرض عُمان السحرية. كتبت لمجلة خليجسك، و Esquire ME، و The Culture Trip. لها كتابين باللغة الإنجليزية: “Themis Aella & The Magical Forest”و “50 Things To Know As An Adult”.