سفر عدد الهوية

رسالة في عشق جبال عُمان

"لم أستطع قط البتَّ في ما إذا كانت تبدو بأبهى صورها في الشروق أم في الغسق"

بقلم بريانكا ساجتي

جبال عُمان. الصورة: بريانكا ساجتي.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

بين طيّات ألبوم صور الطفولة صورة لي وأنا جالسة عند سفح جبل رمادي اللون تتخلله عروق بيضاء. التُقطت هذه الصورة في ولاية “نخل” شماليّ سلطنة عُمان، الشهيرة بينابيعها الحارة. لم أزر” نخل ” منذ رحلتي السنوية الأخيرة إلى عُمان منذ أكثر من عام، والتي تزامنت مع إجازة العيد الوطني العُماني، فكانت الينابيع تعج بالأسر والأطفال الذين يلهون ويلعبون في المياه الدافئة، مُطلقين صيحات مرحة بينما يقرض سرب من الأسماك الصغيرة الحجرية اللون بواطن أقدامهم. أمَّا أنا، فكان كل ما يشغل تفكيري هو أن أعود إلى سفح الجبل الذي كنت قد رأيته صدفةً في ذلك الزمن البعيد، وسرّني أنَّ وجدته ما زال كعهدي به.

تلك الصورة التُقطت في رحلة عائلية لنا إلى المنطقة أيضًا. لابد أنَّنا غمرنا أقدامنا في المياه الدافئة أيضًا كالأطفال الآخرين. كل ما أتذكره بوضوح من الصورة ومن أرشيف ذكرياتي هو سعادتي الغامرة لوجودي بالقرب من جبل، بعظمته وشموخه وعزلته؛ كما لو كنت في حضرة أحد المشاهير الكبار. والآن، ها أنا ذا جالسةً على سفحه!

لقد نشأت وترعرعت في سلطنة عُمان، وقضيت فيها أعوامًا طويلة أتخذ من حرم الجامعة التي يُدّرس فيها والداي ويعيشان بها إلى الآن مسكنًا لي. كان مبنى حرم الجامعة ذاته يقبع في قاع وادٍ جبلي، لذا كان أول ما تقع عليه عيناي في الصباح هي جبال الحجر، بجمالها ولونها البنفسجي الممزوج بلون المشمش. كان لونها وطبيعتها يتغيران على مدار اليوم، ولم أستطع قط البتَّ في ما إذا كانت تبدو بأبهى صورها في الشروق أم في الغسق. 

بدأت استكشاف التلال المحيطة بحرم الجامعة وأنا طفلة، وصادفت الكثير من الصخور المثيرة للاهتمام ذات الأشكال المتنوعة، فبدا لي من الطبيعي أن آخذها معي إلى المنزل. ولكن، بالطبع، كان من المستحيل أن أعود بها كلها إلى المنزل دفعةً واحدةً. فرحت لأنَّ ذلك عنى أنَّني سوف أجد المزيد بانتظاري دائمًا  كلما عدت؛ وسرعان ما صارت رحلات التنقيب عن الصخور نشاطًا منتظمًا عندي. 

صورة لبريانكا وهي جالسة عند سفح جبل رمادي اللون في عُمان. الصورة: بريانكا ساجتي.

لقد سافرت بالسيارة إلى قلب المناطق الداخلية في عُمان برفقة أسرتي أكثر من مرة. وفي كل مرة، كنَّا نشاهد الجبال عن قرب أكثر وبمزيد من الحميمية. مازلت حتى هذه اللحظة أتذكر كيف كانت أشكالها وألوانها وطبيعتها تتبدل بسرعة مع كل كيلومتر نقطعه، في عرض مذهل للمنظر الطبيعي الخلاّب وجمال تضاريسه. كانت الطرق التي نسير عليها ممهدةً في الجبال، شاهدةً على قوة وعظمة التكنولوجيا الحديثة. وأحيانًا، كانت تستوقفنا واجهة صخرية عمودية الانحدار تطلّ على وادٍ مغطى بالحصى، فكنَّا نتوقف ونحدّق بذهول في ثراء الصخور المحيطة بنا، لينتابنا شعور بأنَّنا وحدنا ولسنا كذلك في آنٍ واحد. فوق قمم التلال، كانت تقبع أبراج مراقبة أثرية، بينما تتناثر الماشية والأغنام في كل مكان، فتجوب الوديان الجافة عادًة، أو تتسلق التلال في طريقها نحو شجرة الطلح الوحيدة في المنطقة بأسرها. وما إن تغرب الشمس، حتى تذوب الجبال ببعضها، لتصير سلسلةً من طبقات الألوان المائية المتشابهة في الدرجة لكن مختلفة تمامًا عن بعضها. ما زالت تلك اللوحة الفنية البديعة للجبال المصطبغة بحمرة الغسق في الشتاء لا تفارق مخيلتي؛ فهذا المنظر الخلاّب هو وطني. 

” كل ما أتذكره بوضوح من الصورة ومن أرشيف ذكرياتي هو سعادتي الغامرة لوجودي بالقرب من جبل، بعظمته وشموخه وعزلته؛ كما لو كنت في حضرة أحد المشاهير الكبار “

أنا الآن أعيش في مدينة بنغالور، إحدى المدن الشاهقة الارتفاع في الهند، إذ تقع على ارتفاع ٩٥٠ مترًا تقريبًا فوق سطح البحر؛ أي أنَّني حرفيًا أعيش فوق جبل . مع ذلك، كلما قرأت كلمة “جبل”، تقفز أمام عينيّ صورة جبال عُمان. حتى أثناء سفري في رحلاتي السنوية، ما إن أنتبه إلى أنَّنا اقتربنا من عُمان، حتى أُلقي ببصري من نافذة الطائرة لأستمتع بمنظر الجبال المتناثرة كأمواج ضخمة وسط رمال الصحراء المُنبسطة، كأنها صورةً حيةً من رسوم الموسوعات الجغرافية التي لطالما هويت قرائتها في صغري.

في كل رحلة أقوم بها إلى عُمان، أحزن لرؤية الجبال التي تحيط بالعاصمة مسقط ، وكأنَّها تحميها،  تُهدم في محاولة لتلبية احتياجاتها ومتطلباتها الآخذة في الزيادة. لم تعد الشروخ التي تعلو تلك الجبال مجرد تشققات مع الأسف. مع كل سفح جبل وتل يختفيان عن الوجود، تتبدل ملامح وطني العزيز. لكنَّه سيظل وطني العزيز إلى الأبد، مهما اختفت الجبال، ومهما صارت مجرد ذكرى في مخيلتي وفي الخرائط الموجودة في ذاكرتي. 

” كلما قرأت كلمة “جبل”، تقفز أمام عينيّ صورة جبال عُمان “

قبل بضعة سنوات، كنت أشق طريقي بالسيارة في جنوب غرب الولايات المتحدة، فغلبتني سنة من النوم. وحين استيقظت من قيلولتي، وجدت نفسي وسط إقليم الجبال، فخيل إليَّ لبرهة أنَّني عُدت بمعجزة ما إلى عُمان: بسمائها الزرقاء المفتوحة، وتلالها الصغيرة المصطبغة بلون الشوكولاتة، وبرك المياه المتلألئة عن بُعد التي يرسمها السراب، والخضرة النادرة بها. كانت تلك مجرد محاولة بائسة لتخيّل أنَّه لا يفصلني عن وطني سوى كيلومترات قليلة؛ إذ لم أكن قد عُدت إلى عُمان الحبيبة منذ فترة تزيد عن السنة، وكانت هذه هي أول مرة أشعر بالحنين إلى الوطن إلى هذه الدرجة منذ أن انتقلت مؤقتًا للإقامة في الولايات المتحدة قبلها بفترة. ولكن، هل كان الحنين إلى الوطن هو ما صوّر لي هذا الوهم حقًا، أم كان العكس هو الصحيح؟

بينما كنت منشغلة بالتفكير في هذا التساؤل، أتتني الإجابة حين قفزت أمام عينيّ بغتةً لوحة إعلان مطعم “مكدونالدز” بألوانها الصارخة؛ فتحطم الوهم تمامًا. لكن ما إن أغمضت عينيّ مجددًا، وشعرت بحرارة الجو تتسرب إلىّ من زجاج السيارة الأمامي، وتستقر على بشرتي، حتى وجدت نفسي أعود إلى دفء الوهم مرة أخرى؛ فإذا بمقعد السيارة المكسو بالجلد قد صار صخرة دافئة تلامس وجنتي. وسرعان ما داعب النعاس جفوني، وحملني عائدةً إلى عالم الأحلام، حيث وطني الحبيب.

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

بريانكا ساجتي كاتبة مستقلة تسكن في بنغالور، الهند. نشأت في سلطنة عمان وتعلمت في جامعات وارويك وأكسفورد بالمملكة المتحدة. وقد نشرت على نطاق واسع عبر العديد من المنشورات حول والتراث والثقافة والبيئة. هي حاليًا محررة في “ما شاء الله نيوز”. ظهرت أعمالها الأدبية في عدد من المجلات والمنشورات. تعمل حاليًا على مجموعة شعرية.