أدبيات عدد الهوية

كيف تكون العودة من المنفى؟

قصة قصيرة بعنوان "مألوف (اسم): لعنة".

بقلم خالد القحطاني

عمل فني لخالد القحطاني.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

ها أنت، تركب الطائرة محملًا بآمال تشوبها الكذبات. تأمل وتستمر بالدعاء بأن كل شيءٍ بقي كما هو، وأن مدة إقامتك بالمنفى، أو بالأحرى منفى البرجوازيين الرفيع، لم تغير شيئًا. تأمل أن تصل وتجد كل شيء على الحال الذي تركته، بكامل أنانيتك المعتادة التي ترفض وجود الزمن وقدرته على التغيير. تأمل أن تجد سِن أخيك الأمامي لم يسقط بعد، وأنه لم تنمو أي شعيرات بيضاء على مقدمة فروة رأس أمك، وأن التربة أمام البيت ما زالت تنتظرك لتزرع برحمها بذور الريحان، وأن وسادتك ما زالت تمتلك نفس الملمس والارتفاع. 

لكن ما أن تصل، معطَرًا جلدك بروائح ثلاث قارات، وتخرج من بوابة الطائرة متجنبًا عبارات المضيفة اللطيفة، تركض آملًا أن الأشياء ما زالت كما تتصورها، ببريقها المعتاد الذي غفلت عنه دومًا، بالبريق الذي اعتدت وجوده حتى أصبح رفاهيةً لا تستحقها. لكن هذه المرة سوف يتغير كل شيء. لن تسمح بشيء أن يبعد ناظريك عن هذ البريق، أو أن يوقف لسانك حامدًا الله على وجود هذا البريق. 

ما أن تصل، تجد المدينة نفسها، بنفس سكينتها المعتادة، يكسو محيطها صوت أذان عذب من مسجدٍ قريب. تشعر بأن شيئًا يستيقظ بداخلك، شيء ُيشعرك براحة غريبة مرتبطة بنشوة ملاقاة مشهد تم إعادته كثيرًا، حتى أصبح جزءًا من نسيج ذاكرتك. إذا لم يحدث شيء للمدينة كل هذه الفترة (رغم كل التطورات المزعومة) فإن البيت والأهل والتربة ما زالوا كما تركتهم. 

” تأمل وتستمر بالدعاء بأن كل شيءٍ بقي كما هو، وأن مدة إقامتك بالمنفى، أو بالأحرى منفى البرجوازيين الرفيع، لم تغير شيئًا. “

لكن ما أن تصل، وتمر بلحظة اللقاء التي تصورتها عدة مرات، تجد أن التربة يكسوها الريحان. لم ينتظروك لتزرعه! تدع هذه الغِيرة الطفولية تتسلل إلى بقية أفكارك، ولكنك ترفضها بكل ما أوتيت من قوة.  لكن ما أن تبدأ بالتحديق بمن حولك، ويبدأ خفقانك المتكرر بالسكون، تجد أن سن أخيك قد سقط. لا يقلقك هذا الأمر، فإنه متوقَع. لكن تجد أيضًا أن لأمك عشر شعرات بيضاء. كنت تعرف أن شعرة بيضاء تسللت إلى رأسها سابقًا، وكانت تنهي حياة تلك الشعرة ما أن تراها خجلًا، لكنك كنت تتجاهلها كتجاهلك لجميع الحقائق التي تترامى أمام عينيك مثبتة أن التغيير فريضة لهذا الوجود. وعندما تحاول أن تصف هذا التغيير، هذه الصور التي لم تعتادها، تجد أنك تعلك الكلمات بلسانك عدة مرات قبل أن تنطقها، ومع ذلك تخرج ملطخة بلغة المنفى التي استعمرت جوف فمك مؤخرًا. تتجنب الحرج الذي يكسو وجوههم عندما لا يفهموك، وتحاول أن تستبدلها بكلمات أخرى. 

بعد لحظات من أسئلة تنخر رأسك ، مع الأفكار التي بدأت تعود إليك بأن كل شيء بقي بألفته، ولكن تغير شكله المعتاد الذي تصورته.. نعم، الوسادة، تتكئ عليها هربًا، ولكن هي أيضًا فقدت ذلك البريق الذي تصورته. تعيد الصور. تهدم الصور. تبني الصور من جديد. تعلن رغبتك بتصور اللحظات قبل عيشها. تكره شعورك بخيبة الأمل التي لا يمكنك شرحها عندما تؤول الأمور لغير الوجهة التي حددتها .لكنك تدرك أخيرًا أنك مهما تصورت، ومهما أعدت الصور بمخيلتك، وجربت أشكالها وروائحها وألونها، أنك لن تجدها كما هي. إنها تطلب منك أن تحررها، أن تذكرها بالطريقة التي عهدتها، ولكن أن تتجنب تحميلها مسؤولية البقاء على حالها دون النمو بجميع الاتجاهات. كل هذه الأشياء يجب أن تغسلها من جلدك، من ذاكرتك، من قلبك.. أن تستشعر لذتها عندما تتصورها، ولكن تعانق شكلها الجديد كأنك عرفته منذ زمن بعيد.

” تجد أنك تعلك الكلمات بلسانك عدة مرات قبل أن تنطقها، ومع ذلك تخرج ملطخة بلغة المنفى التي استعمرت جوف فمك مؤخرًا. “

رغم أن المدينة ستكون متغيرة عندما تصل، إلا أنا ستنتظرك بذراعين متلهفتين عند عودتك من المنفى الذي اخترته طوعًا. ستطلب منك المدينة أن تدرك أنها لم تعد وجهتك الأساسية، بل أنها أضيفت كمحطة أخرى تزرع بها الريحان، آملًا أن تعود وتجد كل شيء كما ألفته.

خالد القحطاني (١٨ عامًا) فنان قيد الإنشاء من تبوك، السعودية. يدرس الآن الأحياء في الولايات المتحدة. خالد مؤسس مجلة وَرد الإلكترونية التي تهتم بتوثيق المشهد الفني السعودي، بالإضافة إلى
منصة احكِ التي تجمع القصص التي لا تُحكى في مجتمعاتنا كالتحرش الجنسي والعنف الأسري.