آراء

الحب والثقافة الاستهلاكية

"نحن نساهم في بناء هذا السوق الاستهلاكي الضخم ونشر الثقافة الاستهلاكية، حينما نبالغ في الشراء للتعبير عن الحب"

بقلم دانة الراشد

عمل فني لفريق سكة.

الحب شعور سامٍ يشمل جميع العلاقات الإنسانية، ولا يقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة. فحب العائلة درس عظيم في الحب بلا شروط والعطاء المستمر، وحب الأصدقاء هو حب بنكهة الحرية والأريحية، فلا تكلف فيه ولا تصنُّع. أما حب الأطفال فيغسل القلوب فنتعلم التسامح من جديد. والحب لغة تفهمها جميع الكائنات، والسامي من البشر هو من امتد حبه وعطفه للقط والطير.

والحب أساسه قبول الآخر بكل عيوبه البشرية، واختباره الحقيقي هو الزمن، الذي يُثبِت إن كان هذا الحب متينًا صادقًا أو مجرد انبهار عابر فحسب. لكن كيف يعيش هذا النوع من الحب الخالص في زمننا الحالي؟ فنحن نعيش في عالم سريع النبض، نملك فيه فائض من الاختيارات- أو ما يبدو كذلك- والقدرة على “حذف” أي شخص من حياتنا بمجرد كبسة زر. وفي ظل الثقافة الاستهلاكية، أصبحنا نستهلك بعضنا البعض، فبسبب سيادة الهاتف الذكي وسبل الرفاهية الفورية أصبحنا سريعي الملل قليلي الصبر، نضجر من شخص ما فنستبدله بشخص آخر إلى أن يصبح ذاك الآخر “مملاً”. وتستمر تلك الدائرة المفرغة دون أن يتحقق أي نوع من الإشباع لأي من الطرفين،  فلا مجال للتعمق أو بناء رابطة حقيقية في هذا النوع من العلاقات.

أيضًا من تأثيرات الثقافة الاستهلاكية ربط التعبير عن الحب بالهدايا المكلِفة. فأصبح يوم “الفالنتاين” مناسة استهلاكية بحتة، وأصبحت وسائل الإعلام تُشعِر المتلقي بأنه قد “فاته الكثير” إن لم يحتفل بهذه المناسبة ويشتري شيئًا ما لأحبابه. كذلك فإن التسويق للـ”فالنتاين” بات يشمل العزَّاب، أولئك الوحيدون المستاؤون من وحدتهم، فأصبح يوفر السلع التي تتناسب مع شخصياتهم وتعبر عنهم.

“بسبب سيادة الهاتف الذكي وسبل الرفاهية الفورية أصبحنا سريعي الملل قليلي الصبر، نضجر من شخص ما فنستبدله بشخص آخر”

أما في الخليج، فبسبب الوفرة الاقتصادية النسبية فقد ظهر لنا نوع جديد من العبء الاجتماعي، المتمثل بوجوب شراء هدايا باهظة الثمن كنوع من الكرم والتعبير عن الحب، وذلك في المناسبات المتنوعة خلال السنة. فهنالك واجب اجتماعي لشراء هدايا غاالية الثمن لحديثي الزواج، ولمن أنجبت للتو، وهدايا التخرج، والعودة من الحج، وأعياد الميلاد والاستقبالات، وغيرها الكثير. وهذه الهدايا يستوجب عليك إهداؤها ليس للأشخاص القريبين فحسب، بل يشمل ذلك العائلة الممتدة والزمالات البعيدة ومعظم الجيران. وستكون عرضُة للكثير من النقد وإطلاق الأحكام إذا كانت الهدية بسيطة أو لم تحضر هدية إطلاقًا، وللأسف ذلك قد يسبب الكثير من الإحراج لمن لا يملك المال الكافي، أو ببساطة غير مستعد لهذا النوع من البذخ.

عمل فني لدانة الراشد.

ويستمر هذا العبء خالقًا الكثير من الضغوطات النفسية والاقتصادية للمقبلين على الزواج، أو من أنجبت، أو لمن خرج من المستشفى للتو، فالمتوقع من هؤلاء عمل حفلات الاستقبال المكلفة المتخمة بأجواء المجاملة. وتبدأ بذلك مطالبة الطرف الآخر بالبذخ المستمر، وبذلك تتشكل سلسلة علاقات غير صحية من الحب المشروط.

نحن نساهم في بناء هذا السوق الاستهلاكي الضخم ونشر الثقافة الاستهلاكية، حينما نبالغ في الشراء للتعبير عن الحب. ولكن يجب أن نتذكر أنه يمكننا التعبير عن المحبة بطرق مختلفة، قد تكون أكثر سموًا من ذلك التعبير المادي المباشر. فقول كلمة “أحبك” الشجاعة لمن تحب تذيب شهورًا- بل سنوات- من الصمت الاعتيادي، وإن لم تقو على ذلك فاذكر محاسنهم وكل ما هو جميل فيهم، فالأذن قد تاقت لسماع الرقيق من القول في عالم ندرت فيه الكلمة الطيبة.

الهدية تعبير عن المودة منذ الأزل. جميل هو إهداء الهدايا التي تعني شيئًا لمتلقيها، وما أجمل الهدية عندما تكون صادقة من القلب، خصوصًا مع انتشار المجاملات والعلاقات السطحية. لامانع من شراء شيء مميز لأحبابنا بين الحين والآخر، لكن الأجدر بنا التركيز على بناء علاقات متينة طويلة الأجل.

الهدية لفتة جميلة، فلا تفرغوها من معناها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

دانة الراشد كاتبة وفنانة من الكويت لها مقال أسبوعي في جريدة الجريدة الكويتية. بالإضافة إلى ذلك، تقوم بكتابة الأشعار باللغة الإنجليزية لعدة مجلات ثقافية مستقلة. صدر لها كتاب شعري تحت إسم Reflecting Moon. لديها شغف بكل ما يخص الثقافة والفنون المرئية والمسموعة والمشهد الثقافي الخليجي والعربي. انقر هنا لرؤية أعمالها الفنية.