ناس عدد العَيْب

مبادرة فاطمة البنوي المميزة لرواية القصص: صوت آلاف السعوديين

مقابلة مع الممثلة و الراوية السعودية عن مشروعها: "القصة الأخرى".

بقلم لارا برنت

ابنة جِدة فاطمة البنوي خلال تمثيلها لإحدى قصص “مشروع القصة الأخرى The Other Story Project” .الصورة : فاطمة البنوي.

أن تطلب من شخص غريب عنك أن يتشارك معك قصصه الأكثر حميمية هي فكرة جريئة للغاية دون شك، لا سيما في المجتمع السعودي المُحافظ؛ بتقاليده التي تحث على احترام خصوصية الناس وتجنّب الخوض في تفاصيل الحياة الشخصية مع الآخرين. لكن هذا بالضبط هو ما قررت الممثلة والفنانة فاطمة البنوي فعله في أواخر عام ٢٠١٥.

ترجع شهرة فاطمة  إلى لعبها دور البطولة في أول فيلم كوميدي رومانسي على الإطلاق يُنتج في المملكة العربية السعودية: “بركة يقابل بركة”. لكن بعد أن حصلت ابنة جدّة على درجة الماجستير في العلوم العقائدية من جامعة هارفارد الأميركية، سعت جاهدةً إلى الاستفادة من دراستها الأكاديمية للقضايا المتعلقة بالهوية والمعتقدات والثقافة بصورة أكثر شخصية.

تقول فاطمة: “كنت أتوق إلى سماع قصص الناس بألسنتهم هم، بدلاً من أن يرويها لي طرف ثالث. وبما أنَّني كنت السعودية الوحيدة التي تدرس في كلية هارفارد للدراسات العقائدية، كان لدي شعور بأنًّني أمثّل [كل] السعوديين؛ وكان ذلك مرهقًا للغاية”.

بدأت فاطمة تجمع القصص، المكتوبة في صفحة واحدة وبخط اليد  و بغير اسم الكتاب، عبر أكشاك وزّعتها في المقاهي والبازارات المحيطة بجدّة، وجمعت حتى الآن ما يصل إلى خمسة آلاف قصة، كلها تعود للسكان المحليين من السعوديين، وتحكي تجارب حقيقية. نُشرت القصص على شبكات التواصل الاجتماعي، واقتُبست عنها سلسلة من الفنون التعبيرية، ومن المقرر أيضًا نشرها، إلى جانب مذكرات فاطمة الشخصية حول وفاة جدّها، في كتاب بعنوان “القصة الأخرى The Other Story”؛ وهونفس الاسم الذي أطلقته على تجربتها  الثقافية الجريئة هذه .  

بدأت فاطمة تجمع القصص، المكتوبة في صفحة واحدة وبخط اليد و بغير اسم الكتاب، عبر أكشاك وزّعتها حول جدّة. الصورة : فاطمة البنوي.

بعض تلك القصص معبّر عن حياة السعوديين بشكل خاص؛ كقصة امرأة  لم تجد مفرًا من تعلّم قيادة السيارة بنفسها بعد  أنَّ يئست من سائقها الذي لم يكن يجيد القيادة. في حين أنَّ بعضها شخصي للغاية ومؤثر ويعبّر عن حال الكثير من الناس حول العالم؛ مثل القصص التي تحكي عن وفاة أحد الأقارب. 

تقول فاطمة: “كان الناس يترددون في سرد قصصهم في البداية، وكنت أشعر بالخجل بدوري [من التحدث مع الغرباء]. لكنني كنت أؤمن بقوة تأثير رواية القصص؛ وهذا ما حفزّني على الاستمرار”. جاءت نقطة التحول في عام ٢٠١٧، بعد أن ألّفت فاطمة مسرحية مُستوحاة من مشروعها، وعرضتها ضمن فعاليات مهرجان فن جدة 21,39 السنوي. شارك في المسرحية ٥ مؤدي و مؤدية، وضمت ١٥ قصة من المجموعة القصصية في قصة واحدة تحكي قصة شاب واحد من مولده حتى بلوغه مرحلة الرشد ووقوعه في حب امرأة مُطلقّة.

علقّت فاطمة على ذلك بقولها: “بكى الحضور تأثرًا، وتعانقوا سويًا؛ وسارعوا بالذهاب إلى أقرب كشك لتدوين قصتهم الخاصة. حتى القصص نفسها أصبحت أكثر شخصية وحميمية، وبدأ الناس يسمحون لضعفهم بالظهور أكثر من ذي قبل. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الناس يربطون اسمي بالتمثيل؛ بل برواية القصص”.

“كنت أتوق إلى سماع قصص الناس بألسنتهم هم، بدلاً من أن يرويها لي طرف ثالث”.

المملكة تشهد حقبةً غير مسبوقة من التغييرات الاجتماعية بفضل الانتشار المهوّل لشبكات التواصل الاجتماعي في البلاد وكون ولي العهد السعودي شاباً، و بالنسبة لذلك أضافت فاطمة موضحةً: “صحيح أنَّ المشروع جاء بالتزامن مع التغييرات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع، لكن أول عرض مسرحي في جدّة قد عُرض قبل أن تُنفّذ الكثير من تلك التغييرات رسميًا؛ لذا كان هناك شعور بالاستعداد لهذا المشروع بالتأكيد”.

فاطمة البنوي تمثل قصة من قصص مشروع القصة الأخرى. الفيديو: فاطمة البنوي.

لكن ليس الشباب وحدهم هم المستعدون لتشارك تجاربهم الشخصية بمزيد من الانفتاح في المجتمع؛ إذ صرّحت فاطمة قائلةً: “العديد ممن يدوّنون قصصهم ينتمون إلى جيل والدتي في الواقع. هذه المشاركة العاطفية توحي لي أنَّ إمكانية التواصل والمشاركة والنمو سويًا هي الآن أكثر من أي وقت مضى”.

فاطمة في فعالية لمشروعها. الصورة: فاطمة البنوي.

ومع تقدم المشروع، ظهرت سبع أفكار رئيسية تتمحور حولها معظم القصص، من بينها: السفر والترحال، والخيارات المهنية، والحب والعلاقات العاطفية، والوفاة والحزن، والعائلة. تعليقًا على ذلك، تقول فاطمة: “هذه الأفكار الرئيسية ظهرت من تلقاء نفسها: أثناء قراءتي للقصص، لاحظت وجود أنماط مشتركة بينها. صحيح أنَّ تلك الأفكار الرئيسية شائعة للغاية العالم، لكن لعل بعضها ينطبق أكثر على المجتمع السعودي أو المجتمع الإسلامي أكثر من غيره؛ كقصص العلاقات العاطفية مثلاً”.

ختمت فاطمة حديثها بقولها  بأنَّ عدم الكشف عن هوية أصحاب القصص وتوصية الناس كان لهما دورًا بارزًا في تشجيع السعوديين على الكتابة  عن موضوعات لطالما اعتبرها المجتمع شخصية وخاصة لصالح مشروع “القصة الأخرى”. مع ذلك، فهي تعي تمامًا أنَّ المجتمع السعودي بحاجة إلى وقتٍ كافٍ للتكيف مع هذا التغيّر في الطباع، وهو ما عبّرت عنه بقولها: “لا يزال الناس يمارسون الرقابة الذاتية على قصصهم في هذه المرحلة، لكنني أضع ثقتي في مجريات الأمور وفي الوقت الذي يحتاجه الناس لفتح قلوبهم؛ فالمجتمع السعودي قد بدأ يصبح أكثر انفتاحًا وأكثر تعبيرًا عن نفسه شيئًا فشيئًا دون شك”.

لقراءة بعض قصص مشروع القصة الأخرى انقر هنا.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

لارا برنت صحفية بريطانية-استرالية. سبق ان كتبت لصحيفة The Telegraph، موقع The Lonely Planet، و The Traveller.

*تم تصحيح هذه القصة لتوضيح أن ٥ فنان و فنانة شاركوا في مسرحية مشروع القصة الأخرى ، و ليس ٤٠.