ناس عدد العَيْب

الشاب الخليجي الذي وجد مستقبله في المطبخ

حوار مع بدر نجيب، أحد أصغر الطهاة في منطفة الخليج العربي.

بقلم شريفة البادي

بدأ بدر نجيب الطبخ عندما كان عمره ١٣ سنة .الصورة : بدر نجيب.

لنواجه الحقيقة: حتى ولو حلت نهاية العالم، سنظل نأكل حتى آخر لحظة. إلى هذا الحد الطعام مهم بالنسبة لنا. فلولاه ما كنّا لنعيش، حرفيًا. ما بالكم إذن لو علمتم أنَّ أحد أفراد عائلتكم يطبخ طعام غايةً في الجمال و اللذة؟ بالتأكيد ستغمركم الفرحة! لكن هناك مجموعة من الأفكار والمعتقدات السائدة بين بعض أفراد مجتمعنا التي يصعب التخلص منها، منها مثلاً فكرة أنَّ “النساء فقط هن من يجدن الطهي” أو أنَّ “المطبخ مكان المرأة”. الآن وقد صرنا في عام 2019، أقول لكم إنَّ القصة اختلفت: الرجال بارعون في الطهي ومكان المرأة هو حيثما تريده هي.

بمجرد بحث بسيط عبر شبكة الإنترنت، يتضح لنا مدى نُدرة الطهاة الخليجيين من نساء ورجال. في الواقع إن غالبية المطاعم والفنادق والمؤسسات الشهيرة في منطقة دول الخليج العربي تُدارمن قِبل طهاة أجانب، ويمكن قول إنَّ نسبة الخليجيين العاملين بمجال الطهي ليست كبيرة. هذا لا يعني أنَّه ليس هناك طهاة خليجيون موهوبون إطلاقًا؛ هم موجودون، لكنها ليست مهنة منتشرة في منطقتنا ، ولا مجتمعنا يُشجّع عليها عمومًا، خاصة للرجال. 

أحدهم هو الإماراتي بدر نجيب (٢٣ عامًا)، الشهير بلقب “Chef B” على شبكات التواصل الاجتماعي،و هو أحد أصغر الطهاة الخليجين عمرًا. يحب بدر إحداث الفوضى في المطبخ منذ أن كان في الثالثة عشر من العمر، حين بدأ شغفه بصنع الحلويات في الظهور لأول مرة.  في صباه، كان بدر يراقب أمّه وهي تُعد الطعام، إلى أن غلبه الفضول في نهاية المطاف وقاده إلى تجربة يده في المطبخ، لا سيما وأنَّ شعاره اليوم هو: “لا تدع الخوف يمنعك؛ ادخل المطبخ واحدِث الفوضى بكل مكان!”. علّم بدر نفسه بنفسه الطهي من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو التعليمية على موقع يوتيوب وبفضل دعم عائلته. وحين تحدّثت معه عنهم ، قال لي بدر: “لم تمنعني عائلتي يومًا من أن أفعل ما أحب، بل منحوني الحرية لأكون على طبيعتي. سأظل ممتنًا لهم إلى الأبد لذلك”.

كعكة لذيذة من صنع بدر نجيب. تعلم بدر الطبخ من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب. الصورة : بدر نجيب.

لوجود بدر الإلكتروني المستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي الفضل في إدخال البهجة والسرور في قلوب العديد. غير أنَّ نفوذ بدر المتزايد (لديه أكثر من ٩٢٠٠٠ متابع على الانستغرام) هذا لم يؤثر فيه البتة، بل ظل محتفظًا بتواضعه. أخبرني بدر أنَّه يتلقى رسائل شكر من بعض متابعيه على ما يفعله، إذ قال: “أتلقى العديد من الرسائل من أناس يقولون لي: “شكرًا لك، لقد ألهمتنا أن نفعل مثلك”. في الواقع، تلقيت رسالة ذات مرة من شخص أخبرني فيها أنَّ عائلته قد سمحت له بالسفر للدراسة بالخارج بعد أن أراهم ما أُنشره على موقع إنستغرام، وهذا مذهل في رأيي! لم أكن أظن أن ذلك ممكنًا، لكن التفاعل بشغف وبنشاط على الإنترنت له فوائده على ما يبدو”.

لعل جرأته في استعراض شغفه بالطهي علانيةً أمام الجميع قادرةً على أن تفسح المجال للرجال المبدعين الآخرين الشغوفين بمهن معينة مرتبطة بالنساء عادةً في مجتمعنا، مثل الطهي أو الديكور أو حتى تصفيف الشعر.

من جانبه، يرى بدر أنَّ مجريات الأمور في المنطقة قد بدأت تتغير إلى الأحسن، خصوصًا وأنَّ المزيد والمزيد من الأشخاص قد بدأوا يلتحقون بمجال الفنون الإبداعية بشغف ودون خجل من الكشف عن أنفسهم أمام العالم بفنهم. قال بدر: “أنا واثق تمام الثقة من أنَّ مجريات الأمور سوف تتغير إلى الأحسن. ليس لدى أدنى شك في ذلك؛ فالمجال الإبداعي قد بدأ يشهد ازدهارًا في العالم العربي بأسره”.

أول فقرة طهي قدّمها بدر كانت عندما كان يبلغ من العمر السابعة عشر عامًا فقط. الصورة: بدر نجيب.

من يتابع بدر منذ بداية مشواره كطاهِ يعلم أنَّه كان يُقدّم فقرات طهي على قناتيّ سما دبي وأبوظبي التلفزيونية ، وأن أول فقرة طهي قدّمها كانت عندما كان يبلغ من العمر السابعة عشر عامًا  فقط. وفي عام 2013، التحق بدر بكلية دبي للطلاب لدراسة المحاسبة. بعد ذلك، التحق بالعمل في القطاع الحكومي، إلى أن شاءت الأقدار أن يحصل على منحة للالتحاق بأكاديمية فنون الطهي في سويسرا في أكتوبر 2018؛ حيث يتخصص حاليًا في دراسة الشوكولاتة  وفنون السكر .

تعليقًا على ذلك، قال لي بدر: “لم أكن أتوقع أن أحصل على منحة لدراسة فنون الطهي في سويسرا يومًا. لم يكن هذا ضمن خططي. لكنَّني ظللت أتلقى العرض مرارًا وتكرارًا حتى لم يعد بإمكاني الرفض؛ فأنا شغوف فعلاً بصنع الحلويات، وبالشوكولاتة السويسرية بالطبع!”. وكجزء من البرنامج التدريبي، من المقرر أن يلتحق بدر بتدريب مدته ستة أشهر في أحد الفنادق ذات الخمس نجوم في هونغ كونغ.

يقول بدر: “كلنا نبدأ بكعكة بشعة المنظر، تتحول بعد أشهر قليلة إلى كعكة جميلة تُغري الناس بشرائها.”الصورة :بدر نجيب.

يقول بدر إنَّه يحب ترك الأمور تأخذ مجراها دون تخطيط، لذا فهو لا يعرف يقينًا ماذا ستكون خطوته التالية: ربما يفتح مقهى أو مطعمًا، أو ربما أكاديمية لتعليم فنون الطهي. في كل الأحوال، من المؤكد أنَّ شهادة المحاسبة التي حصل عليها سوف تفيده في مساعيه مهما كانت.

إذن، هل كان الانتقال للعيش في سويسرا خطوة محفوفة بالمخاطر؟ بكل تأكيد، فلا يوجد أسلم من البقاء في وظيفة مستقرة بدخل ثابت. لكن بدر يرى أنَّ الأمر استحق المجازفة، فقد قال: “لقد وصلت إلى هنا وحققت نجاحي هذا بفضل من ساندوني منذ بداية المشوار. وإن حدثتني نفسي يومًا أنَّني أفضل من ذي قبل أو أنَّني أعرف كل شيء، سأكون قد خسرت اللعبة؛ وما أكثر المتنافسين!”.

لمن يرغب بالمجازفة وتلمّس طريقه في المطبخ منكم، إليكم نصيحة من بدر: “كلنا نبدأ بكعكة بشعة المنظر، تتحول بعد أشهر قليلة إلى كعكة جميلة تُغري الناس بشرائها. لذا انطلقوا! احدِثوا الفوضى وخذوا المخاطرة؛ فالحياة أقصر من أن نرضى بعدم التميّز!”.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

شريفة البادي كاتبة و مؤلفة من أرض عُمان السحرية. كتبت لمجلة خليجسك، و Esquire ME، و The Culture Trip. لها كتابين باللغة الإنجليزية: “Themis Aella & The Magical Forest”و “50 Things To Know As An Adult”.