آراء عدد العَيْب

الإزدواجية في الأدب: لماذا تُهاجَم الشاعرات أكثر من الشعراء؟

بقلم ميساء الجابري

عمل فني للفنانة المصرية القاطنة في الشارقة نور البري.

أتذكر بوضوح اعتراضي يوماً على قرار حذف قصيدة من منهج الأدب العربي في الثانوية، أتذكر جيداً لأنني ما زلت، وبعد كل التغير الذي حل بي، أحمل نفس الرأي ونفس الفكرة. الأدب والفن لا يحتملان أن يُوضعان في صندوق ليلائم فئة من المجتمع حتى وإن كانت الأغلبية، لأن الأدب والفن نافذة ومتنفس للبقية، الذين لا يصنفون أنفسهم من تلك الأغلبية. تلك القصيدة التي حُذفت بسبب أنها تحمل معاني رومانسية ،وتتحدث عن الحب في شكله العربي، كانت لشاعرعربي معروف. أتذكر أنني قرأتها ولم أجد أي شيء يدفع لهذا القرار. لا أعلم حقاً هل كان السبب هو نظرتي للأدب، أم أنها فعلاً كانت عادية!

مازلت أعترض على أي محاولة لقمع أي شكل من أشكال التعبير عن طريق الكتابة، ربما لأنها طريقتي المفضلة. ولذلك أحس بقليل من الغضب وكثير من الامتعاض عندما أرى شاعرات (مثل الشاعرة الكويتية دلال البارود) يتحدثن عن تعليقات الناس السلبية على قصائدهن الغزلية، أو تلك التي تحمل موضوع الحب والرومانسية كعنصر أساسي.

“لقد فرضت القوانين الاجتماعية المزدوجة للرجل والمرأة نفسها في الكثير من المجالات، ولكنني لم أتوقع أن أراها في ساحة الأدب يومًا.”

 كانت بعض التعليقات التي ذكرتها دلال في عدد من مقابلاتها، كمقابلتها على برنامج عالسيف على قناة ATV الكويتية،  متعلقة ببعض العادات العربية التي ما زالت تقف حائلاً أمام تقدم المرأة في مختلف المجالات الأدبية؛ أي كيف لامرأة محجبة أن تلقي شعراً وقصائداً محورها الحب والغرام أمام الرجال! غضبتُ لأن الشعر العربي أبلغ وأجمل من أن يُحد في مواضيع محصورة ولفئة محددة، وامتعضتُ لأنني أدركت أن السبب الرئيسي هو كونها امرأة. لم يعترض أحد من قبل على حامد زيد مثلاً بنفس الطريقة التي يتم انتقاد الشاعرات بها رغم أن الكثير من قصائده غزلية. وحتى انتقاد المجتمع للشعراء الرجال بشكل أعم يعتبر قليلاً جداً ، أو يكاد يكون غائباً، بالمقارنة مع الانتقادات والأحكام التي تُوَجَّه للشاعرات.

 نرى الشخص الذي ينتقد شاعرة لإلقاءها قصيدة غزلية، يقرأ لنزار قباني في الوقت نفسه ويُعتبر نزار من أكثر الشعراء جرأة في وصف المرأة والتغزل بجسدها ! جعلني هذا الموقف أتذكر القصيدة التي حُذفت في المدرسة، فقد كانت لرجل، نعم، ولكنها حُذفت لأن المتلقين طلبة وطالبات. أما في حالة دلال، فإن المجتمع قد قرر تحت إطار أعرافه، أن المرأة يجب أن تحد من تعبيرها عن الحب، لأن ذلك ببساطة “عيب”.

“إذا كتب الرجال العرب عن الحب بأوضح المعاني وأدق التفاصيل، على المرأة أن تهمس بشأنه و تُلمِّح له فقط.”

 تستطيع المرأة مثلاً أن تعبر عن مشاعرها بلغة ألطف وأقل حدة من تعبير الرجل ، أي أن تغلفه بغلاف “الحياء”، وكأن الحياء محصور على النساء فقط! أعجبني أن دلال تعي هذا الأمر تماماً، وقد ذكرت مرة في مقابلة لها مع جريدة الرياض “إن الشاعرة دائماً كانت تُقابل بنظرة تُصورها وكأنها خارجة على التقاليد ومتمردة”. وقد ألقت الضوء على كون الشعر في الوطن العربي محكوماً بقوانين الرجال، حيث وصفت مجال الشعر بكونه ذكورياً. ونرى هذا بشكل واضح للكثير من الشاعرات، أو حتى الكاتبات العربيات بشكل عام.

لقد فرضت القوانين الاجتماعية المزدوجة للرجل والمرأة نفسها في الكثير من المجالات، ولكنني لم أتوقع أن أراها في ساحة الأدب يومًا. لا أعلم إن كان هذا موجوداً في الخليج تحديداً أم أنه أوسع من ذلك. ولكن يبقى الأهم هو السبب الذي يدفع الناس للإيمان بأن كل شيء تقوم به المرأة يجب أن يختلف قليلاً عن الطريقة التي يقوم بها الرجل؛ أي أن الفعل بحد ذاته ليس مقتصراً على نفسه، ولكن على جنس من يقوم به. الرجل مسموح له بأن يقوم بالفعل بطريقة حادة وشديدة و واضحة بل ومتوقع منه أيضاً. أما المرأة، بإمكانها أن تقدم الإصدار الأقل حدة من ذلك الفعل؛ أي إذا كتب الرجال العرب عن الحب بأوضح المعاني وأدق التفاصيل، على المرأة أن تهمس بشأنه و تُلمِّح له فقط.

“أخشى أن الأدب أصبح يُعامل على أنه منتج ذكوري بحت، وأن أي امرأة إن أرادت أن تخوض مع الرجال في الأدب، فإن عليها أن تحد من آفاقها وتعبر بطريقة لطيفة تليق بأنوثتها، كي لا تتشبه بالرجال.”

ربما يعود السبب لرغبة الناس في التفريق بين الجنسين (ربما فقط للتفريق)، أو ربما لأن الطريقة التي تشكلت بها مجتمعاتنا إلى اليوم أبت إلا أن تُظهر الرجل في موقع القوي (الجنس الأقوى)، وبذلك فإن أي طريقة ، حتى وإن كانت بسيطة كالكتابة مثل الرجل، تعني ببساطة أن المرأة لها القدرة على أن تصبح مساوية للرجل، لأنها استطاعت أن تصل إلى مستوى طريقته في القيام بالأشياء. غير أن هذه النظرية توضح أن الرجل ببساطة هو الأصل، وأن كل ما تقوم به المرأة هو محل مقارنة بعمل الرجل؛ وهذا ما يحدث فعلاً. أخشى أن الأدب أصبح يُعامل على أنه منتج ذكوري بحت، وأن أي امرأة إن أرادت أن تخوض مع الرجال في الأدب، فإن عليها أن تحد من آفاقها وتعبر بطريقة لطيفة تليق بأنوثتها، كي لا تتشبه بالرجال، أصحاب الأدب الأصلي.

أتمنى أن أرى يوماً في المنهج الدراسي للطلاب في الوطن العربي أمثلة أوسع للشاعرات العربيات، لينشأ جيلٌ يؤمن بأن الأدب غير محصور على جنس واحد فقط. ربما ذلك سيساعد الكثير من الفتيات الصغيرات على إيجاد الدافع الأمثل للخوض في هذا المجال، لأنني احتجت إليه في وقت ما، وبحثت عنه بنفسي.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ميساء الجابري كاتبة من سلطنة عُمان مهتمة بحقوق المرأة، والأدب، والتاريخ. تقضي ميساء معظم وقتها في القراءة، والكتابة، وخبز الكعك.