ثقافة وفن عدد العَيْب

ماذا لو خلى العالم من العَيْب؟

تصوّر لبروفيسور في علم النفس.

بقلم البروفيسور الدكتور جستن توماس

عمل فني للفنانة السعودية العنود الداوود.

أنا تلميذ لغة عربية ، فكلما صادفتني كلمة شائعة الاستخدام أبحث عن معناها في المعجم فورًا. لا غرابة إذن أن تكون أولى التعبيرات اللغوية التي سارعت بالبحث عنها هي “عيب عليك” كونه تعبير مُستخدم بكثافة في التعاملات اليومية بجميع أنحاء العالم العربي.

وفقًا لقاموس هانز فير للغة العربية المكتوبة المعاصرة، أفضل تعبير يحمل المعنى نفسه باللغة الإنجليزية هو: “shame on you” وهو تعبير يُستخدم عادةً لتوبيخ شخص خرق قاعدة اجتماعية ما (إذا لم يُحسن شخص استقبال ضيفه مثلاً، أو إذا كان الزي الذي يرتديه مخالفًا للأعراف السائدة في المجتمع حاليًا).

يُعرّف علم النفس “الخزي” على أنَّه أحد ال”moral emotions” أو “المشاعر الاخلاقية” ، يُستخدم كثيرًا كشكل من أشكال العقاب أو السيطرة السلوكية، فإن الشعور بالخزي قد يكون مؤلمًا جدًا لمن يختبره، إلى حد أن يتمنى الشخص لو أنَّ الأرض انشقّت وابتلعته. هناك إجماع بين علماء النفس بوجه عام على أنَّ الخزي يؤدي إلى فرط في  التفكير، رؤية النفس بنظرة سلبية، والانسحاب اجتماعيًا. وعندما يزيد الشعور بالخزي عن الحد ويصل إلى مستويات غير صحية، يرتبط  أحيانًا  بالإصابة بالقلق والاكتئاب أيضًا.

ولأن خرق القواعد الاجتماعية يأتي في صميم “العيب”، من المنطقي إذن أن تزداد مستويات الخزي والرهاب الاجتماعي لدى المجتمعات التي تكثر بها القواعد الاجتماعية والآداب السلوكية؛ وهي فكرة اُطلق عليها اسم ال “stringent norms hypothesis” . تقول الحُجة العامة لهذه الفرضية إنَّ المجتمعات المؤيدة للجماعية تعطي أهمية بالغة للانسجام والانتماء، بينما تعطي المجتمعات المؤيدة للفردية أهمية أكبر للإنجازات الشخصية وللتميّز عن الآخرين.

” الشعور بالخزي قد يكون مؤلمًا جدًا لمن يختبره، إلى حد ان  يتمنى الشخص لو أنَّ الأرض انشقّت وابتلعته”.

يرى البعض أنَّ فرض الكثير من القواعد الاجتماعية هو أحد سبل تحقيق الانسجام في المجتمع. وهناك أدلة تدعم هذه الفكرة، منها على سبيل المثال بحث يقارن بين مجتمعات أمريكا الشمالية (المؤيدة للفردية بشكل عام) ومجتمعات اليابان وكوريا الجنوبية في شرق آسيا (المؤيدة للجماعية بشكل عام) ويؤيد ال ” stringent norms hypothesis “. توصّل البحث إلى ارتفاع معدلات الرهاب الاجتماعي والقواعد الاجتماعية بين مجموعة المجتمعات المؤيدة للجماعية، بينما تميل المجتمعات المؤيدة للفردية إلى فرض قواعد اجتماعية أقل والعيش في مجموعات صغيرة عمومًا؛ وكلما كانت المجموعة أصغر، أصبح تحقيق الانسجام بين أفرادها أسهل.

أما مجتمعات دول الخليج العربي، فتتفق مع بلدان شرق آسيا في كونها تفرض عددًا كبيرًا من القواعد نسبياً التي تحكم التعاملات الاجتماعية: منها قواعد واضحة متأصلة في العادات والتقاليد الإسلامية والبدوية أيضاً، والتي تحدد جوانب عديدة للعلاقات الاجتماعية. ومنها  قواعد تتعلق بمن يلقي التحية أولاً وصيغة هذه التحية والرد المتوقع عليها، حتى إنَّ هناك قواعد لكيفية تقديم القهوة العربية: منها مثلاً صب القهوة في قدح الضيف إلى حد معين، وإلا عُد ذلك نوعًا من الوقاحة.

“لو خلى العالم من القواعد الاجتماعية ومن العيب، ستعمّ حالة من الفوضى وعدم الثبات”.

هذا بالإضافة إلى أنَّ هناك منطوقات لفظية معينة وردود مُوصى بها للعديد والعديد من التعاملات الاجتماعية. مثلاً: قول “حمدًا لله على السلامة” عند سماع خبر عودة شخص ما من السفر، واعتبار “عظّم الله أجركم” التعزية الأنسب لشخص فقد عزيزًا عليه مؤخرًا. وفي حال جهل المرء بهذه الآداب السلوكية أو خرقه لهذه القواعد الاجتماعية عمدًا، سوف يسمع من الناس على الأرجح كلمة “عيب!”.

لو لم تكن هناك قواعد اجتماعية، ما كنّا لنخرقها، ولما كان هناك “عيب”. ولكن كيف يمكن لنا أن نعيش سويًا بانسجام دون اي قواعد اجتماعية؟ فلولا القواعد الاجتماعية، ما كان هناك ما يوّجهنا للتصرف السليم في المواقف الاجتماعية المختلفة، وما كانت لدينا أي فكرة عن الرد الذي يجب علينا توقعه من الآخرين فيها.

لو خلى العالم من القواعد الاجتماعية ومن العيب، ستعمّ حالة من الفوضى وعدم الثبات، وسنتصرف جميعًا كما يحلو لنا في تعاملاتنا الاجتماعية دون أي حاجة إلى اللباقة والأدب، وسيسود التأييد المفرط للفردية التي تزيد عن المستوى الطبيعي؛ لتصبح أهداف الفرد وتفضيلاته هي كل ما يهم. مثل هذا العالم لن يعترف بروح الفريق ولا بالجماعة، بل بالأنانية ولا شيء سواها.

السؤال إذن ليس “هل القواعد الاجتماعية مهمة؟” بل بالأحرى “هل يجب أن يفرض المجتمع قواعد اجتماعية كثيرة أم قليلة؟ وما هي القواعد الاجتماعية المهمة حقًا؟”. من الناحية الأخرى، ربما يجدر بنا النظر في جعل عقوبة خرق القواعد الاجتماعية البسيطة تتناسب مع فداحة الفعل؛ فوصم الناس بالعيب أمر يتجاوز الحد في رأيي. مجرد تذكرة لطيفة غير متحيزة كافية ولن تتسبب للمرء في ضرر نفسي على الأرجح.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

الدكتور جستن توماس مؤلف وبروفيسور في علم النفس في جامعة زايد بأبوظبي. يقطن في دولة الإمارت العربية المتحدة منذ أكثر من ١٢ عام.