ثقافة وفن عدد العَيْب

عادة إخفاء النساء لوجوههن في منطقة الخليج

بقلم ريم غزال

عمل فني للفنانة العُمانية روان المحروقي. و يتميز عدد من أعمال روان الفنية بملامح الوجه مطموسة، أو وجه لا يحمل أي ملامح، تعليقًا منها على عادة إخفاء النساء لوجوههن على الإنترنت.

وراء كل وجهٍ قصة.. ووجه المرأة يُلهم الكثير من القصص.

بعكس الكاتب والشاعر الأيرلندي الراحل أوسكار وايلد وآرائه الطريفة الثاقبة؛ فهو صاحب المقولة الشهيرة: “وجه المرأة هو عملها من الخيال”، استلهم الشعراء والكتّاب العرب لأكثر من ألف عام بعضًا من أعظم مؤلفاتهم من وجه المرأة، وجعلوا منه لوحة رسموا عليها حبهم وافتنانهم وانفطار قلوبهم.

فتغنَّى امرؤ القيس بكلماتٍ خلّدها إلى الأبد في معلّقته:

“تَصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أَسيلٍ وَتَتَّقي.. بِناظرَةٍ مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ”.

وكانت النساء يُشبهّن في كثير من الأحيان بغزلان رشيقة جميلة قادرة ، في ما يبدو، على سَحر الرجال بنظرات أعينهن الفاتنة المزدانة بالكحل والتي كانت بلون التمر أحيانًا أيضًا. وكتب الشاعر الأندلسي ابن قزمان في القرن الثاني عشر الميلادي قصيدةً قال فيها:

“أين منها البدرُ..أين منها الشمس

زان فاها الدرُّ..والشفاهُ اللعسُ”

إنَّ وجه المرأة تحفة فنية، ووجهها هو جوهرتها وهويتها، وهو مرتبط بهوية عائلتها وعشيرتها. لذلك، كان، ولا يزال، إخفاء وجه المرأة وحمايته هو العُرف السائد في المجتمعات المتحفظة مثلما كان في الثقافات القديمة الأخرى؛ حيث كانت خيرة النساء من علية القوم يخفين هويتهن وراء أغطية للوجه.

لكنَّ العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية قد أصبحت تحت ضغط هائل في عالمنا اليوم الذي يدفع الجميع بشدة نحو التماشي مع التوجّهات الحالية ، والظهور علانيةً، وكسب المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي.

أحد التوجّهات التي تميّز النساء في العالم العربي ، ولا سيما في دول الخليج، هو تحاشي بعضهن الظهور أمام الكاميرات كلّها، أو نشر صورهن علنًا أو عبر وسائل الإعلام، في حين استمرت أخريات في التواصل مع العامة بالصوت فقط، أو بالصور المبتكرة التي تركّز على اليدين أو القدمين فقط، أو تُظهرهن من الخلف فقط لحماية هويتهن.

“إنَّ وجه المرأة تحفة فنية، ووجهها هو جوهرتها وهويتها، وهو مرتبط بهوية عائلتها وعشيرتها”.

من بين الطرق التي تستعين بها نجمة شبكات التواصل الاجتماعي العُمانية  أشواق المسكري، البالغة من العمر ٢٥ عامًا والشهيرة بلقب “الشوق”، للتغلب على هذه المشكلة هو استخدام صورة رقمية أو نسخة كرتونية منها على الإنترنت.

تحرص أشواق أيضًا على ارتداء قناع شخصيتها الرقمية عند الظهور في الفعاليات الاجتماعية العامة، وهو ما بررته بقولها: “أريد أن يركز الناس على الرسالة التي أحاول توصيلها إليهم، وليس على شكلي أو ما أرتديه”.

الصورة الرقمية التي تلبسها أشواق المسكري كقناع في الفعاليات. الصورة: أشواق المسكري.

وأضافت قائلة: “هذه الأيقونة تشبه الشخصية التي أستخدمها لتمثلني كعلامة تجارية بصرية. أنا أريد من الناس أن يتقبلوا أنفسهم كما هم. وحتى لو كانوا يواجهون عقبة أنَّه لا يُسمح لهم بإظهار وجوههم في وسائل الإعلام، ما زال بإمكانهم فعل ذلك بصورة مختلفة، وإيصال رسالتهم للعالم”.

الصورة الرقمية التي تستخدمها أشواق المسكري على الإنترنت و تلبسها كقناع في الفعاليات.الصورة: أشواق المسكري.

أحد أسباب استمرار هذا التوجّه، إلى جانب المحافظة على الخصوصية، هو خوف الفتيات من أنَّ ظهورهن أمام الناس قد يضر بمستقبلهن، وربما يؤدي أيضًا إلى تعرضهن إلى الابتزاز.

تقول أشواق، وهي أيضًا عضوة في مبادرة Creators For Change من موقع يوتيوب حيث تتناول القضايا الاجتماعية على قناتها بالموقع: “تُلقّن الكثير من الفتيات العربيات منذ نعومة أظافرهن أنَّهن جوهرة ثمينة للغاية لا بد من حمايتها وصونها دائمًا؛ لذا فإنَّ نشر صورهن أمام الغرباء يعني أنَّهن يعرّضن أنفسهن لأذى بوسعهن تجنّبه”.

وواصلت حديثها قائلةً: “عندما كنّا أصغر سنًّا، كان يقال لنا كثيرًا: إنَّ أولئك الغرباء سوف يأخذون صورنا ويضعونها على أجساد نساء عاريات ببرنامج فوتوشوب “لفضحنا” وابتزازنا بنشر تلك الصور علانيةً إذا لم ننفذ ما يُطلب منّا، وإن هذا سوف يجلب العار لعائلاتنا”.

وفقًا لأشواق، بعض العائلات ترى أنَّ ظهور الفتاة ، خصوصًا التي لا تزال صغيرةً في السن، أمر “لا داعي له”؛ نظرًا إلى أنَّه قد يؤثر سلبًا على فرص زواجها بما أنَّ “رجالًا كُثرًا رأوا صورتها”. فالمجتمعات المحافظة تحمي شرف المرأة وسمعتها بشراسة بإبعادها عن أعين الرجال من خارج محيط العائلة. فضلًا عن أنَّ بعضًا ممن قد يتقدمون لخِطبة المرأة ربما يحكمون عليها بأنَّها كانت “منفتحة أكثر من اللازم” في اختلاطها بالعامة بما أنَّهم يريدون أن لا يراها رجل أو يعرفها غيرهم.

” المفارقة التي جذبت اهتمامي هي أنَّه، في معظم الحالات، لا بأس بإظهار الوجه في الحياة الواقعية، بينما لا يُسمح بذلك على شبكة الإنترنت”. – روان المحروقي

صحيح أنَّ هذا الاعتقاد لا يزال سائدًا حتى الآن بين بعض العائلات والنساء، إلا أنَّ هذا قد بدأ يتغير.تقول أشواق: “لم يعد نشر الفتيات صورَهن على شبكة الإنترنت محظورًا الآن بقدر ما كان من قبل، بل أصبحت الفتاة تشعر في بعض الأحيان بالضغط لنشر صورتها عبر الإنترنت لأنَّ الجميع يفعل ذلك”.

وإلى جانب ضغط مشاركة الصور ومقاطع الفيديو الشخصية، هناك أيضًا نوع آخر من الضغط تتعرض له النساء حاليًّا بفضل عصر السيلفي الذي نعيش فيه.

عمل فني آخر لروان المحروقي يتمحور حول موضوع إخفاء الوجه.

تقول أشواق موضحةً: “كل امرأة لها جمالها الخاص الذي يتناسب مع شكلها. لكن مع الأسف، نحن نعيش في عالم يضع معايير للجمال تجبرنا جميعًا على أنَّ نبدو بمظهر معين؛ بأن نضع مساحيق التجميل و”نجمّل” مظهرنا بحُقَن النفخ وعمليات التجميل. آمل أن تصدّق النساء يومًا ما أنَّهن جميلات بطبيعتهن، بغض النظر عن لون بشرتهن، أو حجم ملامحهن، أو البثور التي تغطي وجوههن”.

روان المحروقي فنانة عُمانية شابة تتناول الموضوعات المحظورة في المجتمع من خلال فنّها؛ فهي تصنع قطعًا فنية تخلق حوارًا حول قضايا كهذه، وتتميز أعمالها الفنية بأنَّ ملامح الوجه مطموسة، أو لا تحمل أي ملامح؛ تعليقًا منها على هذا التقليد.

تقول روان، التي عُرضت أعمالها الفنية في سلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة وتونس والأردن وهي أيضًا عضوة في دائرة الفن التجريبي بصالة ستال المرموقة للفنون في مسقط: “كان مصدر إلهامي الأصلي هو عادة إخفاء النساء وجوهَهن بالبرقع وغطاء الوجه بجميع أشكاله في ما مضى، وهو ما انتقل في العصر الحديث إلى شبكات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت. المفارقة التي جذبت اهتمامي هي أنَّه،
في معظم الحالات، لا بأس بإظهار الوجه في الحياة الواقعية، بينما لا يُسمح بذلك على شبكة الإنترنت”.

تتناول روان الموضوعات المحظورة في المجتمع من خلال فنّها، مثل موضوع إظهار الحب والعواطف علنًا.

وأضافت الفنانة ابنة السبعة والعشرين عامًا التي أصبحت الصور المجردة من الملامح هي السمة المميزة لفنّها: “كان هذا أيضًا جزءًا من صراعي الشخصي الذي أعاني منه يوميًّا بعد أن قررتُ خلع حجابي، وهو أمر غير مقبول في عائلتي. لقد واجهت أسئلة كثيرة مثل “ماذا لو رآك أقاربنا دون حجاب؟”، ولم أكن أعرف كيف أتعامل مع هذا، فشعرت أنَّني أريد أن أنطلق وأكون سعيدة دون وجه لكي أثير أقلَّ قدر من الخلاف”.

تقول روان: “أتذكر أنَّني كنت الفتاة الوحيدة وسط دائرة صديقاتي التي كانت تضع صورتها الشخصية كصورة المستخدم الخاصة بها (دون موافقة عائلتي بالطبع). أما الآن، فقد أصبحتُ أرى أغلب الفتيات والنساء يضعن صورهن الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، وصار الأمر عاديًّا ومقبولًا أكثر مما مضى. من المثير للاهتمام حقًّا كيف يمكن للأعراف المجتمعية أن تتغير في غضون أعوام قليلة”.

لكن الأمور بدأت تتغير في المجتمعات الخليجية، كما تقول روان، فهي تتذكر كيف كان نشر الفتاة لصورتها على شبكة الإنترنت أمرًا غير مسبوق و”محظورًا تمامًا” في عام 2009.

“تُلقّن الكثير من الفتيات العربيات منذ نعومة أظافرهن أنَّهن جوهرة ثمينة للغاية لا بد من حمايتها وصونها دائمًا؛ لذا فإنَّ نشر صورهن أمام الغرباء يعني أنَّهن يعرّضن أنفسهن لأذى بوسعهن تجنّبه”.- أشواق المسكري

أنهت روان حديثها قائلة: “أحب مراقبة هذه التغييرات، ولماذا نفعل ما نفعله كثقافة وكمجتمع”.

مع تزايد شعبية شبكات التواصل الاجتماعي حتى صارت إحدى المسارات المهنية المحتملة، سوف يكون من المثير للاهتمام معرفة كيف قد تندثر أعراف اجتماعية تقليدية أخرى، أو تتغير بمرور الزمن.

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ريم غزال صحفية و مؤلفة ترعرعت في السعودية وتقطن في دبي.