آراء عدد العَيْب

ماذا سيقول عنكِ الجيران؟

"هنالك العديد من الأمور التي قد تكون مسموحة للرجل وغير مسموحة للمرأة بلا سبب وجيه."

بقلم دانة الراشد

عمل فني لدانة الراشد تصور فيه قناع/لجام التوبيخ( أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ Scold’s Bridle)، الذي كان يُستخدم كأداة لعقاب وإهانة النساء “الثرثارات” علنًا ومنعهن من الكلام. يعود أقدم قناع عُثر عليه للقرن الـ14 في اسكتلندا، ثم انتشر في انحاء اوروبا . ومن آثاره الجانبية كثرة اللعاب وإعياء منطقة الفم والفكين. ويُلاحظ وجود الجرس لجلب المزيد من الانتباه والإهانة .

“عيب”.. كلمة لطالما كانت عائقاً أمام العديد من الأهداف السامية، كلمة كثيراً ما حطمت الأحلام وطمست المواهب. “عيب” هي كلمة ذات حدود أضيق مما هو مباح ومسموح في الدين وتفسيراته السمحة والمتنوعة، لكن هيمنتها تكاد تكون أشد وطأة في مجتمعاتنا العربية.

“ماذا سيقول الجيران؟” سؤال ذو معنى ضمني يذكرنا بالعواقب الوخيمة التي سنتكبدها ما إذا “تجرأنا” وتخطينا حدود المألوف والمعهود، فلا أحد يحب أن يكون منبوذاً، حيث كانت المجتمعات القديمة تعاقب الخارجين عن عاداتها بنبذهم كأشد أنواع العقاب، فيُمنعون من العمل والبيع والشراء وأي نوع من التعامل والتواصل، مما يؤدي بهم إلى الرحيل بعيداً إلى مدينة أخرى.

“يبدو أن مظلة “العيب” تمس النساء في مجتمعاتنا العربية أكثر من الرجال بكثير.”

العيب لغةً هو “العار”، والخزي والعار مشاعر مقيتة لا يرغب أحد أن يستشعرها. فالإنسان قد يفضل الموت على العار والفضيحة. لذا، فلطالما استخدمت المجتمعات هذا السلاح للتحكم بأفرادها منذ الأزل، فالعقوبات المهينة والغريبة كانت شائعة في العصور الوسطى في أوروبا، وامتد ممارسة بعضها إلى القرن الـثامن عشر تقريبًا. فعلى سبيل المثال كان يتم إجبار المذنبين على ارتداء الأقنعة المخيفة والتجول في المدينة، وأيضاً ارتداء شارة مدى الحياة تميز المذنب بجريمته، كما جاء في كتاب “الجريمة والعقاب”، الذي حرره ألبرخكت كلاسين وكوني سكاربوروك.

وقد تصل عقوبة من يتجرأ على الإختلاف إلى الموت، كإتهام النساء بالدجل والشعوذة وقتلهن حرقًا في أمريكا وأوروبا سابقًا. ولا ننسى جرائم القتل البشعة بإسم الشرف التي لا تزال قائمة في بعض المجتمعات العربية رغم التكتم عليها، حيث يؤيد ٣٣،٤% من المراهقين الأردنيين جرائم الشرف، وذلك وفقًا لدراسة أجرتها جامعة كامبريدج البريطانية.

وللأسف، يبدو أن مظلة “العيب” تمس النساء في مجتمعاتنا العربية أكثر من الرجال بكثير، فهنالك العديد من الأمور التي قد تكون مسموحة للرجل وغير مسموحة للمرأة بلا سبب وجيه. تعليقات جارحة يندى لها الجبين في حسابات تواصل الفتيات الرياضيات من الطراز الأولمبي، حتى مع احتشام هؤلاء اللاعبات. لكن العكس صحيح في حسابات الرجال العرب من الرياضيين، فعجبًا كيف يكون الفعل ذاته سبباً للمفخرة أو الضيق والعار على حسب جنس من يمارسه!

كذلك، فهنالك العديد من الأمور “الرمادية” التي قد يتقبلها المجتمع للذكور أكثر من الإناث، كالزواج من جنسية أخرى، أو حتى ممارسة الفنون بأنواعها. نلاحظ أن جميع الأمور السابقة ذات صبغة شخصية بحتة، فلماذا تصبح قرارات المرأة اليومية، من أبسطها إلى أكبرها، قضايا رأي عام تهدد بنزول غضب العائلة والمجتمع بأكمله عليها؟

“عجبًا كيف يكون الفعل ذاته سبباً للمفخرة أو الضيق والعار على حسب جنس من يمارسه!”

وفي الوقت ذاته، لا نشاهد الهجوم نفسه على الأنشطة النسائية الإستهلاكية البحتة، وهي ليست إبداعية أو إنتاجية على غرار الأمثلة السابقة. أعني بذلك موجة “الفاشنستات” والهوس شبه المرضي بالموضة والتجميل. وقد يتخلل هذه الأنشطة بعضٌ من “العيب” السابق ذكره، كالغنج والدلع وإبراز المفاتن للحصول على أكبر عدد من المشاهدات، أو للحصول على الاستحسان فحسب، وكلها أشياء كانت مجتمعاتنا ترفضها بشدة، فماذا حصل؟ شخصيًا أؤمن بالحرية الشخصية طالما لم تؤذ أحدًا، لكن من الغريب فعلًا مطاردة المبدعين والمنتجين بينما يتم السماح للثقافة الاستهلاكية بالاستشراء.

لا نسعى إلى الانسلاخ من العادات والقيَم الحميدة، وليس هدفنا التخلي عن هويتنا المحلية. كل ما نريده هو المضي قدمًا بالمزيد من القبول والمرونة، فهذا هو سر تطور المجتمعات والأمم. دعونا من ممارسة دور الوصي والرقيب على الآخرين، ولنترك الناس وشأنهم.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

دانة الراشد كاتبة وفنانة من الكويت لها مقال أسبوعي في جريدة الجريدة الكويتية. بالإضافة إلى ذلك، تقوم بكتابة الأشعار باللغة الإنجليزية لعدة مجلات ثقافية مستقلة. صدر لها كتاب شعري تحت إسم Reflecting Moon. لديها شغف بكل ما يخص الثقافة والفنون المرئية والمسموعة والمشهد الثقافي الخليجي والعربي. انقر هنا لرؤية أعمالها الفنية.