أدبيات عدد العَيْب

قِصة قصيرة: خصومة

"وجدته عند القبر يسحب سرواله الرياضي الأحمر على عجل عن فخذيه و يشده إلى خصره. مسح يديه على مؤخرته. استدار طلبًا للمخرج ليلقاني مدركًا لذنبه ومرتاعًا من كشفي لفعلته..."

بقلم مريم الدوسري

عمل فني للفنانة البحرينية نداء الجهرمي.

نسيتُ مسبحتي، فقصصت الأثر في الغبار الذي ما كاد يركد منذ أن تركنا القبر و المقبرة نطلب الرحمة للفقيد، ندعو لأهله بالصبر والسلوان، ونُمني أنفسنا بأحسن الخواتيم. وجدته عند القبر يسحب سرواله الرياضي الأحمر على عجل عن فخذيه و يشده إلى خصره. مسح يديه على مؤخرته. استدار طلبًا للمخرج ليلقاني مدركًا لذنبه ومرتاعًا من كشفي لفعلته، فانطلق عدوا يعاكسني الوجهة. انطلقت في إثره أطبق بيسراي على ثوبي الذي حسرته عن ساقي وملقيًا بيميني بغترتي و عقالي طلبًا للسرعة.

خرجنا من المقبرة، أحدنا يطأ القبور في صفاقةً وآخرنا يتجنبها باستحياء، إلى فناء المسجد يأمه المُعَزّون، و من فناء المسجد إلى أزقةٍ ضيقة معبَّدة و غير معبَّدة، نتفادى كلانا عربة يجرها حمارٌ مُحَنّى، سيدات تحتجبن عن العيون بعباءاتهن السود، وضرير عند المنعطف يستجدي المارة، حتى وجدتُ نفسي منعطفًا أنزلق في ماءٍ آسنٍ مخضّر ألقف الصبي في حضني بعد أن فرطت من النعال قدماه. شددته إليَّ، ظهره إلى صدري، يداه و قدماه كأطراف غريقٍ يبحثُ عن قشةٍ. حصرته بين ذراعيَّ أقاوم تملّصه و نواحه. وعدتَهُ بأن أفلته إن أخبرني بما كان يفعل عند القبر. جأر يستنجد بأهل الزقاق الذي أقفر من المارة حتى بحّ صوته واستكان. بين نشيجة و أخرى، انتفض الفتى المتكوّم في حجري، فأرًا صغيرًا لم يتجاوز السادسة. مسح المخاط عن أنفه بكم قميصه المدرسي، الذي ما زال يرتديه لساعاتٍ بعد انقضاء اليوم المدرسي فخطَّ على شفته بالقَذَرِ شاربًا.

“ألا تعرف أن ما قمت به عيبٌ و خطأ؟ ما الذي كنت تفعله عند القبر؟ ألا تعرف أنَّا دفنا الرجل توًا؟ هه؟ تكلم، يا ولد!”

” شددته إليَّ، ظهره إلى صدري، يداه و قدماه كأطراف غريقٍ يبحثُ عن قشةٍ. حصرته بين ذراعيَّ أقاوم تملّصه و نواحه. وعدتَهُ بأن أفلته إن أخبرني بما كان يفعل عند القبر…”

“كنت سأحصل على دينار!”صرخ بي.

“لا حول و لا قوة إلا بالله. من قال لكَ هذا؟ من وعدكَ بدينار؟”

“اعطني دينارًا، و سأخبرك!” لكزني بكوعه في صدري في مناورة جديدة.

“والله، إنك صعلوك. لن يفيد معك إلا الصفع!”

“عادي” قالها متحاذقًا يستعيد جرأة أولاد حيِّنا المعهودة.

“عادي؟ ابن مَنْ أنتَ، يا ولد؟ والله لآخذك إلى أبيك الآن ليسلخ جلدك ضربًا.”

“عادي، هو من قال لي ــــــــــــــ “و لجم لسانه من فوره مدركًا أنه تمادى في حذلقته.

مرّ بنا أحدهم، فاستوقفني و أنا أكاد أخبط الصبي بجمع كفيّ. هرع إليه يحرره من قبضتي وأنا للتو بدأت استجوابي. عقل الرجل الفتى مطبقًا على ذراعه بيد، و ساعدني على النهوض بأخرى. قصصت عليه كيف انزلقنا بهذا المنزلق الذي أوحل ثوبي بما لا  يفيد معه غسيل، فاستنكر على الفتى ما قام به و استنكر عليَّ مطاردتي إياه.

“إنه ابن الشيخ محسن” خاطبني الجار .

“عُد إلى البيت، يا ولد، وإياك أن تكرر فعلتك. والله، لأترك لهذا الرجل الطيب أن يكسِّر لك كل عظامك!”خاطبه، مفلتًا ذراعه. أجابه الفتى متحديًا بأن بصق في الوحل حيث نقف و اختفى راكضًا.

ربَّتَ الجار على ظهري يواسيني، بعد أن ألزمني بأغلظ الأيمان بأن استبدل ثوبي بآخر من عنده، و إن لم نكن بالطول نفسه، و أن يضيفني قبل أن أعود من حيث أتيت.

“ما ظننت أن الشيخ محسن يفعلها” قال لي آسفًا متحسرًا.

  “أو تعرف لماذا؟”

تفحص الرجل وجهي لثوانٍ قبل أن يجيب “أظنك أصغر من أن تعرف.”

“أعرف ماذا؟”

“خصومة الشيخ محسن للمرحوم.”

تفحصت وجه الرجل شيخًا تجاوز الستين، عتّقته السمرة و الشيب.

“كنا ما نزال شبابًا. كنت أصغر منهما ببضع سنوات و لكنني عرفتهما جيدًا، مهووسين بكرة القدم لعبًا و متابعة. تراهنا على مباراة تؤهل المنتخب الوطني إلى كأس العالم. تعصب محسن للفريق الوطني، وشجّع الفقيد الخصم تندرًا. خسر فريقنا المباراة، و خسر هذان الأحمقان ما هو أكثر من ذلك. اعتبر محسن موقف المرحوم خيانة للصداقة والعشرة، للعبة الجميلة، و للوطن.”

ولجنا البيت سويّا، و تركني في المجلس دقائق، اقترح عليّ أن أغتسل فيها حتى يجيء لي بالثوب و الشاي.

” ليلتها كال أحدهما للآخر من الضرب و السبّ ما أغناهما لأربعين عامًا تلت. أربعون عامًا يا بني هي وقت طويل لخصومة. و أي خصومة؟ من أجل لعبة”.

عاود السرد حين عاد بثوبين نظيفين، يتبعه حذرًا فتى يكاد يكتم أنفاسه يحمل صينية عامرة بلوازم شاي العصرونية المتأخرة هذه. صرف الجار الفتى، وانتظر يناولني ما صبَّه لي من الشاي بينما أفاوض الثوب على دسِ رأسٍ و ذراعٍ، أو إدخال ذراعين دون رأس، و حين فطن لصراعي مع الثوب، أعطاني كأس الشاي و انصرف ليأتيني بإزارٍ لففته ممتنًا على خصري أسدله على سروالي العصيّ على الانقاذ.

“اعتبر محسن موقف المرحوم خيانة للصداقة والعشرة، للعبة الجميلة، و للوطن.”

“أربعون عامًا ولدت أنتَ خلالها، استبدلنا حاكمًا محل آخر، ثم عدنا بعد الجوع والفقر و البطالة، نطالب بعودة الأول. ولم نزل بعد أربعين عامًا نأمل في أن يُرصف الشارع، و أن يُنظر في أمر المجاري، و أن يُدعم الدقيق و السمن والحليب. سنواتٌ عجاف، لم ينجح فيها فريقنا الوطني للتأهل إلى كأس العالم حتى هذا العام. ظننت أن ذلك قد ينهي الخلاف. تأهل الفريق، وانتهى ما كان. إلا أن ذلك لم يحدث. لم ينس محسن أن المرحوم قد هزأ به قبل أربعين عامًا صائحًا به أمام شبيبة المقهى ليلتها، بأنه سيتبول على قبره إن خسر المنتخب. و بما أن المرحوم لم يمت حتى أُقصْيَ المنتخب من البطولة البارحة، ردَّ محسن له الدين بأن جعل الصغير يتبول على القبر.”

طالعني، يقضم بسكويتة، كمن ينتظر ردًا، و أنا أطالعه كمن لمن يسمع، أراقب الفتات يهوي إلى حجره.

“على الأقل لم يقم محسن بذلك بنفسه” أضاف يمضغ بفمٍ مفتوح بأسنانٍ مازالت قوية.

حين أخرج الرجل من جيبه مسبحته يدير خرزاتها الحمراء بين أصابعه النحيلة يستغفر الله لنفسه و لوالديه و لسائر المسلمين، تذكرت مسبحتي، غترتي و عقالي، و مجلس العزاء الذي تركت، فاستأذنته أنصرف، متعللًا بتأخر الوقت و عدم رغبتي مضايقته بأكثر مما فعلت. شكرتُ له لطفه، وشايّه، ووعدته بأن أعيد الإزار الذي لاحت من تحت خطوطه الزرقاء العريضة ساقيّ تعودان بي من حيث أتيت.

مريم الدوسري مُخَربِشَة مهتمة بالأدب واللسانيات والترجمة. تزجي الوقت، حين لا تكون مشغولة بهذا أو ذاك، في تدريس اللغة الانجليزية وقواعدها في إحدى الجامعات في البحرين.